موقع الكتاب المقدس الاخبارى


العودة   منتدى الكتاب المقدس الاخباري » منتدى الكتاب المقدس » تفسير الكتاب المقدس للقمص تادرس يعقوب ملطى
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

« تفسير الكتاب المقدس عهد قديم سفر الامثال مقدمة السفر + الاصحاح الاول الى الثالث | تفسير الكتاب المقدس عهد قديم سفرالامثال الاصحاح الرابع الى التاسع | تفسير الكتاب المقدس عهد قديم سفر الامثال الاصحاح العاشر الى الخامس عشر »

تفسير الكتاب المقدس عهد قديم سفرالامثال الاصحاح الرابع الى التاسع

تفسير الكتاب المقدس للقمص تادرس يعقوب ملطى

إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-04-2013   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية admin

البيانات
التسجيل: Jan 2012
العضوية: 185
العمر: 46
المشاركات: 21,271
بمعدل : 23.24 يوميا
معدل التقييم: 10
نقاط التقييم: 10
admin is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
admin متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Yahoo إلى admin

المنتدى : تفسير الكتاب المقدس للقمص تادرس يعقوب ملطى


الأصحاح الرابع

الحكمة: إيجابيًا وسلبيًا
إذ كشف سليمان الحكيم عن أهمية الحكمة (ص1)، وبركاتها (ص2)، وطريقها (ص3)، أوضح طريق الحكمة الإيجابي وأيضًا السلبي.
1. حث على اقتناء الحكمة 1-9.
2. الحكمة وحياة الاستقامة10-13.
3. التحفظ من الأشرار والشر14-27.
1. حث على اقتناء الحكمة
يؤكد سليمان الحكيم الحاجة إلى اقتناء الحكمة من الله خلال الطاعة للوصية مع الصلاة والطلبة وقبول مشورة الوالدين والقادة الروحيين، مقدمًا نفسه مثلاً لهم، إذ يقول:
"اسمعوا أيها البنون تأديب الرب،
واصغوا إلى معرفة الفهم.
لأني أعطيكم تعليمًا صالحًا فلا تتركوا شريعتي.
فإني كنت ابنًا لأبي، غضًا ووحيدًا عند أمي" [1-3].
يتقدم سليمان الحكيم إلى تلاميذه كأبناء له حتى يمكنهم أن يتقبلوا كلماته التي تحمل أحيانًا توبيخًا أو انتهارًا. لقد أحبه والداه لذا علماه، ومن جانبه كان منصتًا ومطيعًا لهما. كأنه يقول:
"ما تقبلته من والديَّ أقدمه لكم. لقد قدما لي تعاليم الحكمة ممتزجة بالحب نحوي. فأنصتوا إليّ كما كنت أنصت إليهما، أنصتوا لتتقبلوا مع الوصايا الحب الأبوي".
قال هذا ليُظهر لهم أن ما تسلمه من والديه ويقدمه لهم إنما هي تعاليم ثمينة للغاية. بهذا يجتذب انتباههم ليجد طريقًا ينفذ به إلى قلوبهم.
سليمان الحكيم كابن أطاع والديه، الآن يعلم أولاده لا بالوصايا فحسب، وإنما أيضًا بحياته كمثالٍ لهم. وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي:
V الأب البار يربي (أبناءه) حسنًا عندما يكون مجتهدًا في تعليم الآخرين في تناغم مع سلوكه الحسن، حتى لا يخجل سامعًا المعارضة: "فأنت إذًا الذي تُعلم غيرك ألست تُعلم نفسك؟!" (رو21:2)، بل بالأحرى يكون كالعبد الصالح الذي يخلص نفسه ويقتني الغير. عندما تصير له النعمة التي تقبلها مضاعفة، إذ يسمع: "نعمًا أيها العبد الصالح والأمين، كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير" (مت21:25)[113].
البابا أثناسيوس الرسولي
يُعلن الحكيم أنه يقدم لهم تعليمًا صالحًا وشريعة، وكما يقول القديس هيبوليتوس: [يليق بنا أن نلاحظ أنه يدعو الشريعة عطية صالحة، وذلك بالنسبة للإنسان الذي يأخذ العطايا في حضنه باستقامة.]
أما هذا التعليم الصالح فيتحقق بأمرين: "الاستماع إلى تأديب الرب"، كأن التأديب معلم ننصت إليه، و"الإصغاء إلى معرفة الفهم".
"وكان يريني ويقول لي:
ليضبط قلبك كلامي.
احفظ وصاياي فتحيا.
اقتن الحكمة. اقتن الفهم.
لا تنس ولا تعرض عن كلمات فمي" [4-5].
V بقوله: "فأحيا" لا يطلب طول العمر العادي، إذ يطلب حياة مرضية لله، لذلك يقول: "وأحفظ أقوالك"، لأن حفظ أقوال الله وعمل وصاياه هما العمر الحقيقي وعلة الحياة الأبدية[114].
أنثيموس أسقف أورشليم
V كلمة "فأحيا" توحي بحركة حياة في المستقبل. فإنني لست أفكر في الحياة الحالية، إذ يقول "سأحيا"، وهذا يتمشى بالتأكيد مع الحياة الحقيقية.
لنسمع القديس بولس وهو يتحدث عن نفسه وعن أمثاله: "حياتنا مستترة مع المسيح في الله، متى أُظهر المسيح حياتنا فحينئذ تضيئون أنتم أيضًا معه في المجد" (راجع كو3:3).
لنفهم "سأحيا" أنها تخص المستقبل، وأيضًا "أخبئ كلامك" سيكون ذلك حقيقة ليست في مرآة ولا في لغز[115].
العلامة أوريجينوس
V إنني لا أشعر بأنني أتمم وصاياك بدون مكافأة؛ أعطنا أجر هذا حياة خالدة سعيدة أعيشها وأحفظ أقوالك[116].
القديس ديديموس الضرير
V من يقدر أن ينكر أن عطية الحياة هي عمل العظمة الإلهية؟ مكتوب "احيي عبدك". إذن يحيي من هو عبد، أي الإنسان، الذي لم تكن له حياة من قبل، بل تسلمها كعطية له[117].
القديس أمبروسيوس
"لا تتركها فتحفظك،
أحببها فتصونك" [6].
بقوله لا تتركها يشخصن الحكمة، مقدمًا إياها حارسة وصديقة، فإنك إن كنت لا تتركها تبقى هي أمينة في حراستها لك، وإن أحببتها تقوم بحمايتك.
إذ يتحدث القديس غريغوريوس أسقف نيصص إلى البتوليين من كلا الجنسين، يسألهم أن يقبلوا مشورة سليمان الحكيم، فيحبوا الحكمة كمعينٍ ورفيقٍ لهم، فإنها هي أيضًا تهب الحب بكونه ثوب العرس الذي بدونه لن يتم زفاف النفس مع السيد المسيح. يرى في الحكمة الإلهي عريسًا للنفس، يشبع أعماقها ويملأها فرحًا.
V إن كان إنسان ما يقبل نصيحة سليمان ويهتم بالمعينة والرفيقة، أي الحكمة الحقيقية التي قيل عنها: "أحببها فتصونك"، "كرِّمها فتحتضنك" ، بهذا يعد نفسه بطريقة لائقة لمثل هذا الحب، حتى يحتفل مع الضيوف المتبتلين بالعرس مرتديًا ثوبًا بلا دنس. فلا يُطرد عندما يجلس في الاحتفال، لأنه لم يلبس ثوب العرس.
واضح أيضًا أن ما يُقال هنا خاص بالرجال والنساء على قدم المساواة، لكي يتحركوا نحو العرس[118].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
"الحكمة هي الرأس (الأساس)،
فاقتنِ الحكمة،
وبكل مقتناك اقتنِ الفهم" [6].
المسيح رأس الكنيسة وأساسها هو الحكمة، من يقتنيه ينعم بالحكمة والفهم، حيث يدرك أسرار الله الفائقة وخطته لخلاصنا.
لنقتنِ الحكمة كأساس لبنيان ملكوت السموات في داخلنا. هي كنزنا الأبدي، ورصيدنا الدائم، وعلة شركة المجد السماوي.
شتان ما بين حكمتنا وفهمنا وبين حكمة الأشرار وفهمهم، فإن حكمتنا تقوم على الإيمان الحي العملي، أما الأشرار فقد يكون لهم الإيمان مع المعرفة النظرية، لكنهم لا يحملون خبرة الاتحاد مع الله في ابنه بالروح القدس، الإيمان العملي الحي، الذي خلاله نمارس بنوتنا الصادقة لله.
إذ يصير السيد المسيح رأسنا، وهو الحكمة الإلهي، يتسلم قيادة حياتنا، فنمارس الحكمة في عبادتنا الكنسية كما في حجرتنا الخاصة، وفي عملنا كما في الطريق، وفي معاملاتنا مع الأحباء كما مع المقاومين، وفي شركتنا مع السمائيين كما مع المؤمنين المجاهدين... يحكم السيد المسيح كل تطلعاتنا ونظراتنا وسلوكنا، حتى أحلامنا! نرى كل شيء من خلاله، ونراه متجليًا أمامنا في كل شيء.
"ارفعها فتُعليك،
تمجدك إذا اعتنقتها" [8-9].
يرى البعض أن كلمة "يرفع" هنا تعني "يقوى". فإن كانت الحكمة هي عطية إلهية مجانية، وهي اقتناء السيد المسيح نفسه حكمة الله، فإنه لا يقطن في قلب متراخٍ أو مستهتر، إنما يُدعِّم سكناه فينا بالجهاد الحيّ والتمتع بالفضائل المقدسة، لنُعانقه لا بكلمات مجردة بل بالحب العملي الحيّ. نرفع الحكمة ونقوِّيها فينا، إذ تحوط بها الفضائل من كل جانب، فترفعنا الحكمة وتقوينا. ترفعنا في عينيْ الله كما في أعين السمائيين والأرضيين، حتى الشياطين تهابنا، إذ نحن مختفون في المسيح، الحكمة الحقيقية.
V ماذا يعني "ارفعها (قوِّيها)"؟ أي حوِّط حولها بالأفكار المقدسة، فإنك محتاج إلى دفاع قوي، حيث توجد أشياء كثيرة معرضة للخطر مثل ممتلكات. لكن إن كان في سلطانك أن ترفعها، وإن كان في مقدورك أن تمارس فضائل تكرم معرفة الله، فإن هذه تصير حصونًا لها. كمثال لذلك من يحفظ ممارسة (الفضيلة) وحب الدراسة وبقية سلسلة الفضائل يكرم الحكمة، أما المكافأة فهي أن تُكرم أنت بالتصاقك بها، واحتضانك لها في بهاء السماء[119].
القديس هيبوليتس
V كانت الفلسفة تهيئةً لإعداد الطريق لمن يصير كاملاً في المسيح. يقول سليمان: "ارفعها فتعليك، تمجدك إذا اعتنقتها. تعطي رأسك إكليل نعمة، تاج جمال تمنحك" [8-9]. عندما تُقوى الحكمة بثوب الفلسفة وباستخدام حسن، تحفظها من هجوم السوفسطائيين[120].
القديس إكليمنضس السكندري
"تُعطي رأسك إكليل نعمة،
تاج جمال تمنحك" [9].
تُقيم الحكمة من المؤمن أميرًا أو ملكًا يحمل على رأسه تاج نعمة وشركة مجد، فيترنم قائلاً: "جعلنا ملوكًا وكهنة لله أبيه" (رؤ8:1)، أو يُقيم من النفس ملكة مُتوَّجة بالمجد والجمال السماوي الفائق.
2. الحكمة وحياة الاستقامة
يتحدث سليمان الحكيم عن طريق الحكمة الإيجابي، قائلاً:
"اسمع يا ابني واقبل أقوالي،
فتكثر سنو حياتك" [10].
الاستماع إلى المشورة المقدسة هو بداية الطريق الإيجابي للحكمة، حيث بروح الاتضاع يطيع المؤمن، سالكًا في الوصية. أما ثمرة هذا الطريق فهو "كثرة سني الحياة"، أو طول العمر. هذا مبدأ عام أو ثمرة عامة، لا يمكن تطبيقها بطريقة حرفية على جميع المؤمنين، إذ استشهد بعض الأطفال والشبان في مقتبل عمرهم، لكنهم لم يموتوا، إذ لازالوا في الفردوس يمارسون العبادة ويشفعون من أجل خلاص العالم. فالحديث هنا صادق تمامًا، إن أُخذ بالمفهوم الروحي.
هذا ومن الجانب الحرفي فإننا نعلم أن الشرور بصفة عامة، خاصة الغضب والزنا وغيرهما يؤثران على صحة الإنسان الجسدية والنفسية بجانب الروحية، مما يفقده سلامه الداخلي، ويجعله عرضة لأمراض كثيرة. حتى إن امتدت حياته على الأرض لكنها تُحسب كلا شيء. أما الحكمة فينبع عنها التناغم بين الجسد والنفس والروح، فيسلك الإنسان باعتدال وبروح التوازن، مما يهبه مقاومة ضد كثير من الأمراض. الإيمان الحيّ السليم والعملي سيد قوي لا للروح وحدها بل وللجسد كما للجانب النفسي.
"أريتك طريق الحكمة،
هديتك سبل الاستقامة [11].
في أبوة حانية يتقدم سليمان إلى سامعيه كمعلمٍ وهادٍ، يكشف عن أعين تلاميذه الداخلية فيروا طريق الحق، ويمسك بأيديهم ليُهديهم إلى سبل الاستقامة. وهو في هذا يحمل ظلاً لعمل السيد المسيح الذي يحلو لآباء الإسكندرية أن يدعوه "المعلم" أو "المدرب"، وقد سجل لنا القديس إكليمنضس السكندري كتابًا في هذا الأمر دعاه "المدرب Paedagogos"، فيه أظهر كيف يحتاج العالم كله إلى السيد المسيح كمعلم وطبيب، وأنه يقود مؤمنيه في طريق الكمال حتى يحملوا صورته فيهم. علم البشرية بتجسده وحلوله في وسطهم وصلبه كي يتعرفوا عليه ويقتنوه فيجدد طبيعتهم بروحه القدوس.
أورد الكتاب عينات مختلفة من المعلمين، منهم:
1. موسى النبي: أول قائد لشعب الله الذي علم شعب الله الشريعة الإلهية، كما سأل الآباء والأمهات أن يُعلموا أولادهم (تث5:4). فالقائد الحيّ يخلق قادة أحياء، وكل جيل يطلب من الجيل التالي أن يقود من يأتي بعده.
2. بصلئيل وأهوليب: صانعان ماهران موهوبان، دُعيا ليُعلما الآخرين صنع الخيمة (خر30:35-35)، فالقائد الماهر هو من يدرب الآخرين ليصيروا ماهرين وعاملين معه.
3. صموئيل النبي: آخر قاضي لشعب إسرائيل قبل إقامة النظام الملكي، هذا حسب أن التراخي في الصلاة وتعليم الشعب هو خطية موجهة ضد الله نفسه، إذ يقول: "وأما أنا فحاشا لي أن أخطئ إلى الرب، فأكف عن الصلاة من أجلكم، بل أعلمكم الطريق الصالح المستقيم" (1صم23:12).
4. داود: لم يستطع أن يبني الهيكل، لكنه أعد ابنه سليمان ليبني الهيكل ويُقيم أثاثاته (1أي9:28-21). فالمعلم أو القائد هو الذي يُسر بنجاح تلاميذه ونموهم أكثر منه.
5. سليمان: عُرف بالحكمة التي نالها هبة من الله، استخدمها ليُعلم شعبه أن يكونوا حكماء في كل شيء.
6. عزرا: كاتب وكاهن التزم ليس فقط بحفظ الناموس، بل وأن يُعلمه للآخرين (عز10:7).
7. برنابا: أحد المعلمين من بين مؤمني إنطاكية (أع1:13)، كان له أثره الفعّال على شاول الطرسوسي بعد قبوله الإيمان (أع26:9-30).
8. غمّالائيل: حاخام يهودي مشهور، كان معلمًا لشاول الطرسوسي في صباه، كان له أثره عليه في السلوك حسب الناموس حرفيًا، حتى التقى بالسيد المسيح وأدرك الحاجة إلى نظرة جديدة روحية نحو الناموس.
9. بولس: ربما أكثر معلمي الكنيسة الأولى فاعلية لسبب مواهبه الفذّة. علّم في العالم الروماني وواجه الأفكار الفلسفية، خاصة اليونانية.
10. بريسكلا وأكيلا: أسرة حوّلت بيتها إلى كنيسة، علّمت شابًا بليغًا موهوبًا يُدعى أبُلُّوس طريق الرب (أع20:18).
11. أبُلُّوس: معلّم له تأثيره القوي، إسكندري، تعاليمه مهّدت الطريق لقبول الإنجيل في أفسس (أع24:18-26).
12. تيموثاوس: شاب هداه القديس بولس إلى المسيحية، صار أسقفًا (1تي3:1؛ 2تي2:4).
13. تيطس: شاب آخر هداه أيضا القديس بولس إلى المسيحية وصار أسقفًا على الكنيسة في كريت (تي1:2-15).
"إذا سرت فلا تُضيق خطواتك،
وإذا سعيت (جريت) فلا تعثر" [12].
إذ يحمل المؤمن الحكمة فيه يسلك في حياته اليومية بروح الوضوح مع الاستقامة وبغير خوف من المستقبل. لذا نجده ليس فقط في عبادته، وإنما في عمله اليومي أيضًا، يسير بخطوات واسعة يعمل بلا توقف، يجري بفرحٍ مستظلاً بعناية الله الفائقة.
السير بخطوات متسعة والجري بغير عثرة يحملان السلوك المستقيم حيث لا يعرف المؤمن الخبث والخداع، ولا يُفسد وقته ولا عمله في الطرق الملتوية.
"تمسك بالأدب لا ترخه،
احفظه فإنه حياتك" [13].
يُقصد بالأدب ليس السلوك الحسن فحسب، أو النُبل في التعامل مع الغير، بل الالتصاق بالرب نفسه. فما يقوله سليمان الحكيم هنا يكرره في سفر النشيد على لسان العروس التي أمسكت بعريسها السماوي ولم تُرخه حتى تدخل به إلى أعماق نفسها وتتحد به (نش4:3).
3. التحفظ من الأشرار والشر
بعد الحديث عن الجانب الإيجابي لطريق الحكمة يُحدثنا الحكيم عن الجانب السلبي، وهو التحفظ من الأشرار والشر.
ربان السفينة الحكيم ليس له إلمام كامل بكل صخور المحيط والشُعب والمناطق الخطرة، لكنه يدرس بكل دقة الطريق المستقيم، ويعرف اتجاهاته، ويدرك التفاصيل الخاصة به، لذا يسير وهو مطمئن. هكذا يحيد إنسان الله عن طرق الأشرار الوعرة، ولا يفسد وقته بالانشغال بها، إنما ينشغل بطريق الحق، ويعرف ملامحه وكل تفاصيله وهو يسير فيه وهو مطمئن.
"لا تدخل في سبيل الأشرار،
ولا تسير في طريق الأثمة.
تنكَّب عنه (تجنبه).
لا تمر به. حدْ عنه وأُعبر" [14-15].
لنهرب من الالتصاق بالأشرار في سلوكهم الآثم. لنتجنب طرقهم، فلا نجاملهم على حساب خلاصنا، بل لتكن نفوسنا جادة في إغلاق كل باب يدخل بنا إلى الخطية. لا نمر مع الأشرار في طريقهم مجاملة لهم، أو رغبة في إشباع شهوات جسدية أو لنوال مكاسب مادية أو معنوية. إن لاحظنا أننا قد اقتربنا إليه فلنعطه ظهرنا ونرجع عنه ملتصقين بالرب. لنعبر عنه سريعًا حتى لا نسقط في الفخاخ.
يرى القديس هيبوليتس إن الحكيم ينصحنا بالابتعاد عن طريق الهراطقة الذين في شرهم يفسدون التعاليم، كما عن المنحرفين في سلوكهم هؤلاء الذين يدعوهم بالأثمة.
V الهراطقة هم "الأشرار"، والعصاة على الناموس هم الأثمة؛ يأمرنا أن نبتعد عن طرقهم التي هي أعمالهم[121].
القديس هيبوليتس
لما كان طريق الهراطقة برَّاقًا بفلسفات باطلة، وأيضًا طريق الأثمة مغريًا بملذاته الجسدية ومكاسبه المادية والمعنوية، لهذا بقوة لا يطلب منا الحكيم أن نحتفظ بمسافة ما بعيدًا عن هذه الطرق، بل نعطيها ظهورنا تمامًا. فطريق برّ المسيح هو نور، بينما طريق الشر والإثم ظلمة؛ وليست هناك شركة بين النور والظلمة، وبين البرّ والفساد، وبين الحق والباطل.
إننا في حاجة إلى قائد يُدير حياتنا في اتجاه مضاد للشر، هو الروح القدس، روح المسيح القادر أن ينطلق بنا إلى حيث المسيح جالس!
يكمل الحكيم حديثه عن الأشرار قائلاً:
"لأنهم لا ينامون إن لم يفعلوا سوءًا،
ويُنزع نومهم إن لم يُسقِطوا أحدًا" [16].
لا يستريح الهراطقة وأيضًا الأثمة حتى يقتنصوا ما استطاعوا من النفوس في حبائل الهرطقات أو شباك الفساد. يقضون ليالي عمرهم بلا نوم لكي يدفعوا كل إنسان ما استطاعوا نحو طريقهم.
"لأنهم يطعمون خبز الشر،
ويشربون خمر الظلم" [17].
طعامهم هو من الخبز المسروق، وشرابهم هو خمر العنف. سِمتان تُلازمان الأشرار: السرقة أو عدم الأمانة والعنف أو الظلم. هنا لا يعني بالسرقة في مفهومها الضيق، فقد يختلس الشرير مجد الله أو يسلب الحق بتشويه صورته. أما عن الظلم فيُقدمونه أحيانًا خلال كلمات معسولة مملوءة رقة ولطفًا من الظاهر.
"أما سبيل الصديقين فكنورٍ مشرقٍ يتزايد ويُنير إلى النهار الكامل،
أما طريق الأشرار فكالظلام،
لا يعلمون ما يعثرون به" [18-19].
الطريق المستقيم متميز عن الطريق الخاطئ. الطريق الأول يقود إلى مدينة الله العليا، حيث يوجد حمل الله الذي ينيرها، لذا فالطريق بهي ومشرق يحمل قبسات من المجد السماوي ينير بها اذهان السالكين فيه، فيقولون: "لتمت نفسي موت الأبرار، ولتكن آخرتي كآخرتهم" (عد10:23). أما طريق الأشرار فيحمل سمات نهايته ألا وهو مملكة الظلمة.
جاءت كلمة "سبيل" في الترجمة السبعينية بالجمع: "سبل الصديقين". فإن كان الحق هو طريق واحد، هو شخص السيد المسيح، فإنه يجتذب المؤمنين إليه بطرق كثيرة. حقًا يلزم للكل أن يكون لهم الإيمان الواحد، لكن لكل واحد موهبته الخاصة. إنسان يلتقي مع الرب بروح العبادة الدائمة، وآخر بروح الحب والعطاء للغير، وثالث بروح الخدمة والكرازة، وكما يقول القديس بولس الرسول: "فأنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد. وأنواع خدم موجودة، ولكن الرب واحد. وأنواع أعمال موجودة، ولكن الله واحد الذي يعمل الكل فيالكل. ولكنه لكل واحدٍ يُعطي إظهار الروح للمنفعة، فإنه لواحدٍ يُعطي بالروح كلام حكمة، ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد... (1كو4:12-9).
V طريق الحق واحد، لكن فيه نهر دائم الجريان، تفيض منه مجاري من كل جانب. لذلك يقولالوحي: اسمع يا ابني واقبل أقوالي، ويكون لك طرق كثيرة للحياة. أريتك طريق الحكمة فلا تنضب ينابيعك"، هذه التي تفيض من الأرض ذاتها. إنه لا توجد فقط طرق متنوعة للخلاص يستخدمها الإنسان البار، بل يُضيف (الله) طرقًا أخرى كثيرة للبار، إذ يقول: "سبل الصديقين كنورٍ مشرق" [18][122].
القديس إكليمنضس السكندري
عندما تحدث القديس يوحنا كاسيان عن اقتدائنا بالغير، حذرنا من الارتباط بشخصٍ واحدٍ، إذ لا يوجد شخص كامل فيه كل الفضائل.
يشبّه الحكيم سبل الصديقين بالأرض وقد أشرقت عليها شمس البرّ، وتبقى تبعث أشعتها حتى يتزايد النور ويبلغ إلى القمة. أما طريق الأشرار فتحتجب عنه شمس البرّ، لذا يسوده الظلام، ويتعثر السالكون فيه.
V يقول: "فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات" (مت16:5). ليس شيء مليء بالنور مثل الحوار السامي جدًا. وكما يقول أحد الحكماء: "سبل الصديقين كنور مشرق" (أم18:4 LXX)، وهم يشرقون ليس لأنفسهم وحدهم حيث يشعلون لهيب أعمالهم (المنيرة)، وليس فقط لأجل البرّ، وإنما يشرقون أيضًا على أقربائهم[123].
القديس يوحنا الذهبي الفم
"يا ابني أصغِ إلى كلامي،
أمل أذنك إلى أقوالي.
لا تبرح عن عينيك،
احفظها في وسط قلبك.
لأنها هي حياة للذين يجدونها،
ودواء لكل الجسد" [20-22].
يعود فيسأل الحكيم ابنه أن يُكرس كل أعضاء جسده وطاقاته للتمتع بالحكمة، فيطلب منه أن يميل بأذنيه، وأن يتطلع إليها بعينيه على الدوام، ويدخل بها إلى أعماق قلبه. يسأله أن يخزنها في وسط قلبه لتُحرك كل طاقاته ورغباته واشتياقاته وكلماته وسلوكه.
"فوق كل تحفظ احفظ قلبك،
لأن منه مخارج الحياة" [23].
كما أن الدم الفاسد يدخل إلى القلب ثم يخرج منه نقيًا خلال الشرايين ليُغذي الجسم كله من أعلى الرأس حتى أخمص القدمين، هكذا برّ المسيح يدخل إلى أعماق القلب ليتوجه كل كيان الإنسان الداخلي والخارجي.
ما نحتفظ به في قلبنا يملك على أفكارنا وكلماتنا وسلوكنا، سواء كان ذلك هو برّ المسيح أو الشر.
V لنحفظ قلوبنا، ولنحفظ أفواهنا، فقد كُتب عن كليهما. في هذا الموضع أمرنا أن نَحذَر من فمنا، وفي موضع آخر قيل لك: "احفظ قلبك بكل اجتهاد". إن كان داود يأخذ حذره أفلا تحذر أنت؟!
إن كان لإشعياء شفتان نجستان، إذ قال: "ويل لي، إني هلكت، لأني إنسان نجس الشفتين" (إش5:6)؛ إن كان لنبيّ الرب شفتان نجستان فكيف تكون لنا شفتان طاهرتان؟[124]
القديس أمبروسيوس
V احفظ قلبك بكل اجتهاد، أي ليس خفية، فإنه يجب إظهار الأفكار والكشف عن الأعمال. استخدم يديك في العمل، وقلبك في التأمل في الصلاة[125].
القديس مار أفرآم السرياني
V لنكن متحفظين بكل عناية، كما هو مكتوب: "احفظ قلبك بكل سهر". لأن أعداءنا مرعبون وماكرون - هم الأرواح الشريرة - نصارع ضدهم، وكما يقول الرسول لسنا نُصارع ضد لحم ودم، بل ضد الرئاسات، ضد القوات، ضد رؤساء عالم هذه الظلمة، ضد أجناد الشر في السماويات. ما أكثر عددهم في الهواء المحيط بنا! فإنهم ليسوا بعيدين عنّا[126].
البابا أثناسيوس الرسولي
الملك سليمان والعالِمْ هارفي
يرى البعض في حديث سليمان الحكيم "فوق كل تحفظ احفظ قلبك لأن منه مخارج الحياة" [23] أنه سابق للعالم هارفي صاحب الاكتشاف العظيم عن الدورة الدموية التي تتحقق بواسطة القلب؛ هذا الاكتشاف الذي أحدث ثورة في الفكر الطبي. هنا نجد سليمان يتحدث بهدوء وفي يقين، مستخدمًا هذه الحقيقة العلمية للكشف عن حقيقة روحية. فكما أن القلب هو مركز النظام الجسمي، منه تصدر الحياة، هكذا القلب أو الإنسان الداخلي هو مركز الحياة الروحية1.
"انزع عنك التواء الفم،
وأبعد عنك انحراف الشفتين" [24].
ما هو التواء الفم إلا الغضب والإدانة والاندفاع في الكلام، أما انحراف الشفتين فيعني النميمة وتشويه الحقائق.
"لتنظر عيناك إلى قُدامك (باستقامة)،
وأجفانك إلى أمامك مستقيمًا.
مهِّد سبيل رجلك، فتثبت كل طرقك" [25-26].
عمل رجال العهد القديم هو تهيئة الطريق لكي يسلكه المؤمنون بروح القوة والغلبة، بنفوس متشددة بروح الرجاء الحيّ. صرخ القديس يوحنا المعمدان الذي جاء بروح إيليا ليُهيئ الطريق للرب قائلاً: "أعدوا طريق الرب. اصنعوا سُبله مستقيمة، كل وادٍ يمتلئ، وكل جبل وأكمة ينخفض، وتصير المعوجات مستقيمة والشعاب طرقًا سهلة. ويُبصر كل بشر خلاص الله" (لو4:3-6).
هكذا يشترك سليمان الحكيم مع بقية رجال العهد القديم في إعداد البشرية لقبول الرب، لتسلك في مسالك مستقيمة بأرجلٍ قويةٍ قادرة على العبور في الطريق الملوكي الذي لا تجد فيها شخصًا أعرج قط! لا يسلكه من يُعرِّج بين الله وبليعال، ولا بين الروحانية الملتهبة والحرفية القاتلة، ولا بين السماء والأرض، بل يُستعلن فيه إنجيل المسيح واهب الفرح السماوي!
V من أجل التعلم، قيل في سليمان حسنًا: "يا ابني لا تفعل شيئًا بدون مشورة، وعندما يتحقق ذلك لا تندم" (ابن سيراخ 24:32). وأيضًا: "لتكن أجفانك أمام خطواتك" [25]. لأنه بالحق أجفاننا تسير أمام خطواتنا عندما تضبط المشورات الصالحة أعمالنا. لأن من يهمل النظر إلى قدام، فيغلق عينيه عندما يريد أن يتقدم للعمل أثناء رحلته، فإنه لا يتقدم للعمل متطلعًا إلى قدام، لهذا سرعان ما يسقط، إذ لا يحذر بجفنيْ عين المشورة ليُدرك أين يجب أن يضع قدم علمه[127].
الآب غريغوريوس (الكبير)
V من كانت أفكاره متحررة من الهوى، ينظر باستقامة، ويكون حكمه سليمًا من الانفعال بالمظاهر الخارجية. عندما يقول "لتنظر عيناك باستقامة"، يعني بصيرة النفس[128].
القديس هيبوليتس
أخيرًا يقول الحكيم:
"لا تمل يمنة ولا يسرة،
باعد رجلك عن الشر" [27].
يحذرنا من السير في الطرق الملتوية، والمنحرفة سواء من جهة اليمين أو اليسار، فإن الطريق المستقيم الملوكي هو طريق الاعتدال.
V يليق بنا حقًا أن نسلك الطريق الملوكي، ولا ننحرف إلى جانبٍ منه سواء كان عن اليمين أو اليسار، وذلك كما يقول سفر الأمثال[129].
القديس غريغوريوس النزينزي
V يحذرنا سليمان، أحكم إنسان، ألا ننحرف إلى الجانب اليمين أو الجانب اليسار. فلا تتشامخ بسبب فضائلك، ولا تنتفخ من أجل ما بلغته من روحيات، منحرفًا نحو اليمين. ولا تتمايل نحو طريق الرذائل، نحو اليسار، مفتخرًا بما هو عار (في19:3)[130].
القديس هيبوليتس
V تحتل الفضيلة مركزًا متوسطًا؛ فيُقال إن الشجاعة الناضجة هي الطريق ما بين الجسارة والجبن[131].
القديس يوحنا كاسيان
V الانحراف نحو اليمين هو أن يخدع الشخص نفسه فيقول إنه بلا خطية. والانحراف نحو اليسار هو أن يحيط الإنسان نفسه بخطاياه ظانًا انه لا يًصاب بضررٍ ولا يُعاقب[132].
القديس أغسطينوس
وفي حديث القديس يوحنا كاسيان عن "كيف يهاجم المجد الباطل الراهب من اليمين ومن الشمال" يقول:
V من يصبو أن يسير قدمًا في الطريق الملكي "بسلاح البر لليمين ولليسار"، ينبغي وفق تعليم الرسول أن يمر "بمجد وهوان، وبصيت رديء وصيت حسن" (2كو7:6،8).
يسير بعناية لتوجيه مجراه المستقيم وسط أمواج التجارب المتلاطمة. وبحذر يمسك بالدفة، فيهب روح الرب، وينشر عبيره حولنا.
إننا نعلم أننا إذا انحرفنا قليلاً نحو اليمين أو اليسار سرعان ما تتحطم سفينة حياتنا فوق الصخور الوعرة. لذلك يحذرنا سليمان الحكيم قائلاً: "لا تمل يمنة ولا يسرة" (أم27:4). بمعنى لا تمتدح فضائلك أمام نفسك، ولا تزهو بإنجازاتك الروحية من اليمين، ولا تتحول إلى طريق الرذائل نحو الشمال، وتختار شيئًا من هذه الرذائل لنفسك، وباستخدام كلمات الرسول: "فخرًا في خزيك" (في19:3).
لأنه حين لا يستطيع إبليس أن يبعث بالمجد الباطل في إنسانٍ عن طريق حسن هندامه وأناقة لباسه، يحاول اصطناعه عن طريق زيٍّ أشعث ولباسٍ قذرٍ مهملٍ.
وإذا لم يستطع أن يسقط إنسانًا بالفخر يسقطه بالاتضاع.
وإذا لم يستطع أن يدفعه نحو التعالي بنعمة المعرفة والفصاحة، يسحبه إلى أسفل تحت ثقل الصمت.
وإذا صام إنسان علانية يهاجمه كبرياء الزهو والغرور، وإذا أخفاه احتقارًا لما يسفر عنه من فخار وقع فريسة لخطية الكبرياء ذاتها.
ولكي لا تدفعه وصمة المجد الباطل فإنه يتجنب إطالة الصلوات على مرأى من الاخوة، لكن لأنه يمارسها سرًا، دون أن يشعر به أحد لا ينجو من كبرياء الزهو[133].
القديس يوحنا كاسيان



من وحي الأمثال 4
احملني في طريق الحكمة
فلا انحرف عنه يمنه أو يسرة
V لتحملني يا أيها الحكمة الإلهي على ذراعيك،
فانحني بروح الطاعة والاتضاع،
مقتديًا بك يا سيد الكل!
V احملني، فأنت هو الرأس،
من اقتناك يقتني كل ما هو صالح!
ترفعني من وسط وحل العالم،
فأُمجدك مجاهدًا للبقاء بين يديك!
V تحتضني لتُقويني،
واحتضنك بأعمال برَّك فيَّ، فأثبت فيك!
تكللني، فأنت هو إكليلي وجمالي وعزّي وقوتي!
V تسير بي في طريقك الملوكي،
فأجري نحو أحضان أبيك،
واجتذب معي كثيرين يُشاركوني في الطريق!
أُوسِّع خطواتي مسرعًا نحو السماء،
وأجري ولا تتعثر قدماي!
V أستنير بك يا شمس البرّ،
فيزداد بهاؤك فيَّ!
أبغض الظلمة وأكره طريق الأشرار.
لكن بالحب أصرخ لأجل خلاص الساقطين!
V بك لا انحرف يمينًا،
إذ أشعر ببرك لا برِّي!
ولا انحرف شمالاً،
إذ أطلب لذة الشركة معك، لا ملذات الخطية.
V نعم، احملني على ذراعيك،
ارفعني، أنر أعماقي،
فتلتصق نفسي بك وحدك!
<<

الأصحاح الخامس


صوت الزانية
بعد أن تحدث عن طريق الحكمة من الجانبين الإيجابي والسلبي (ص4)، بدأ يحذرنا من حبائل المرأة الزانية، خاصة من صوتها اللَين كالزيت، مخصصًا الأصحاحات 5-7 لهذا التحذير.
كل إنسان يميل بأذنيه الداخليتين إلى صوت المرأة الزانية المخادعة بالعذوبة الظاهرة لا يستطيع أن يميلهما إلى صوت الحكمة. يروي لنا سفر الملوك الأول القصة المُرة لسليمان نفسه وقد مال بأذنيه لابنة فرعون وغيرها من الأجنبيات ففقد ملكوت الله الذي في أعماقه. "وأحب الملك سليمان نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون... فأمالت نساؤه قلبه. وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب إلهه كقلب داود أبيه... وعمل سليمان الشر في عيني الرب ولم يتبع الرب تمامًا كداود أبيه" (1مل1:11-6).
يطالبنا الحكيم أن نتجنب كل ما يمكن أن ينحرف بنا إلى خطية الزنا، أو مجرد الميل إليها بالفكر. فإن أفكار الشهوة قاتلة لكل بذور الفضيلة، والذين يسقطون في حبائلها يصيرون على مقربة من أبواب الهاوية.
1. دعوة لطلب الحكمة 1-2.
2. سمات المرأة المنحلّة 3-14.
3. علاج الانحلال 15-21.
4. نهاية الشر 22-23.
1. دعوة لطلب الحكمة
لكل إنسانٍ أذنان في أعماقه تنصتان إلى صوتٍ أو آخر، فمن لا تنصت أذناه لصوت الحكمة حتمًا تنصتان إلى الأصوات الغريبة مثل صوت المرأة الزانية المخادعة. لهذا قبل أن يحذرنا من هذا الصوت المدمر يقدم لنا الصوت الأبوي الحكيم البنَّاء.
يكرر الحكيم هذه الدعوة لكي يصغي المؤمن ويميل بأذنيه كما بقلبه إلى صوت أبيه الروحي، ويحفظ التدابير وتصير له معرفة تنطق بها شفتاه.
"يا ابني أصغِ إلى حكمتي.
أمل أذنك إلى فهمي،
لحفظ التدابير،
ولتحفظ شفتاك معرفة" [1-2].
يدعونا للتمتع بالخبرات الحية الروحية التي يعيشها الأب الروحي في الرب.
تحدث القديس يوحنا كاسيان في الكتاب الرابع من "المؤسسات" في الفصلين 9 و10 عن التزام الحديثين في الرهبنة ألا يعتمدوا علي تمييزهم الشخصي، ولا يخفون شيئًا من أفكارهم عن الشيخ المختبر الذي يتعهدهم. بهذا لا يقدر الشيطان أن يدمر الشخص الحديث اللهم إلا إذ أغواه بالكبرياء وإخفاء أفكاره. وأن تكون طاعة الرهبان الحديثين كاملة، حتى أنهم لا يستطيعوا مغادرة قلاليهم ولا الذهاب لقضاء احتياجاتهم الطبيعية بدون إذن. يطيعون بثقة ويقين وبلا تردد كما لو كان الأمر صادرًا من السماء.
V من كان له الفكر الصالح وفي اتضاع مع شوق يتمثل بإخلاص بما يراه، سواء خلال التعليم أو اقتداءً بما يراه في الآباء، بدلاً من الانشغال في الجدال، بهذا تستقر فيه معرفة كل شيء باختبارٍ عملي. أما الذين ابتدأوا تعلمهم بالجدال، فلن يدخلوا إلى غاية الحق لذلك فإن عدونا (الشيطان) يدفعهم بسهولة بعيدًا عن معرفة الآباء، حتى لتبدو لهم الأمور المفيدة والنافعة كأنها غير ضرورية، بل ومضرة. بهذا يلعب العدو الماكر بفطنة، جاعلاً إياهم يتمسكون برأيهم الخاص في عناد ، مقتنعين بأن ما يملأ عقولهم النجسة من أخطاء هو صلاح وحق ومقدس[134].
الأب بيامون
V مكتوب: يا ابني أصغِ إلى حكمتي، أمل أذنك إلى تعقلي، لكي تُحفظ أفكارك [1]. فإنه حقًا ليس شيء مثل القلب يحاول الهروب (من الحكمة)، هذا الذي يخذلنا عندما ينزلق بالأفكار الشريرة، لهذا يقول المرتل: "قلبي قد تركني" (مز12:40)[135].
الأب غريغوريوس (الكبير)
يطلب الحكيم من ابنه الروحي أن يصغي كما يسأله أن يميل بأذنه إلى فهمه، فإن كان الإصغاء يشير إلى الرغبة في التعلم والاستعداد للطاعة، فإن ميل الأذن الداخلية يشير إلى العلاقة السرية الخفية، فمن يميل بأذنه ليستمع همسات آخر إنما يعلن عن شوقه للاستماع إلى كلمات خاصة غير معلنة. يقدم الإنسان مع أذنه قلبه وكل مشاعره وأحاسيسه.
استخدم الحكيم تعبير "أمل أذنك إلى فهمي" ربما نقلاً عن والده الذي كان يحلو له أن يناجي الله قائلاً: "أمل أذنك إلىَّ (مز6:17). فقد أمال الآب أذنه إلى البشرية بنزول ابنه إلينا، يتحدث معنا ونحن معه كما في علاقة شخصية سرية، يسمعها القلب وتتجاوب معها النفس بكل طاقاتها الخفية.
لكي لا نستمع إلى صوت المرأة الزانية أو الخطية المخادعة فلنمل أذننا إلى حبيبنا السماوي قائلين: "صوت حبيبي، هوذا طافرًا على الجبال، قافزًا على التلال" (نش8:2).
يرى القديس إكليمنضس السكندري في الآية 2 "لحفظ التمييز ولتحفظ شفتاك معرفة" كشفًا عن نظرة المسيحية إلى الثقافة أو المعرفة العلمانية، إذ يقول:
V إنه ينصحنا أن نستخدم حقًا الثقافة العلمانية، لكن لا نتباطأ ونقضي وقتًا (طويلاً) فيها. فما يُمنح لكل جيل بطريقة نافعة وفي أوقات مناسبة، هو تدريب بدائي لكلمة الرب. فإنه فعلاً إذ سقط البعض في حبائل الوصيفات احتقروا فلسفتهم المرافقة لهم، وشاخوا. سقط البعض خلال الموسيقى، وآخرون الرياضيات، وآخرون النحو، والغالبية البلاغة[136].
القديس إكليمنضس السكندري
استخدم ملاخي النبي تعبير "حفظ الشفتين للمعرفة" قائلاً: "لأن شفتي الكاهن تحفظان معرفة، ومن فمه يطلبون الشريعة، لأنه رسول رب الجنود" (ملا7:2). وكأن فم المؤمن الحيّ يصير أشبه بخزانة للمعرفة تحت حراسة الشفتين الحكيمتين، تخرجان من هذه الكنوز حسب الحاجة وبالقدر اللائق لبنيان النفوس.
2. سمات المرأة المنحلّة
إن كانت شفتا المؤمن المنصت لصوت الحكمة تحفظان معرفة فإن شفتيْ المرأة المنحلة تنساب منهما كلمات معسولة لينة كالزيت.
"لأن شفتي المرأة الأجنبية تقطران عسلاً،
وحنكها ألين من الزيت.
لكن عاقبتها مرة كالأفسنتين،
حادة كسيفٍ ذي حدّين" [3-4].
سبق لنا الحديث عن المرأة الأجنبية في هذا السفر، أنها تعني امرأة أممية زانية، لأنه بحسب الشريعة المرأة الإسرائيلية التي تُضبط في الزنا تُرجم. لذلك جاءت بعض الشريرات وسكنّ في وسط إسرائيل. وربما تعني أيضًا الإسرائيلية الساقطة في الزنا سرًا، فإنها تُحسب أجنبية وغريبة لأنها فصلت نفسها عن العهد الإلهي وفقدت انتسابها للشعب المقدس.
كلماتها من الخارج حلوة كالعسل، وفي الداخل مرة للغاية كالأفسنتين؛ من الخارج لينة كالزيت ومن الداخل كسيفٍ قاتلٍ ذي حدّين. يرى البعض أن العاقبة المرة كالافسنتين والسيف ذو الحدين هي الأمراض التناسلية التي يعاني منها كثير من الساقطين في الزنا[137]. ولعل الله سمح بذلك لكي خلال ما يحل بالجسد يدرك الإنسان خطورة ما يحل بالنفس. فإن كان العالم قد اهتز منذ سنوات قليلة بسبب اكتشاف مرض الإيدز الذي غالبًا ما ينتقل خلال العلاقات الجسدية الخاطئة، فإن البشرية ستهتز حينما يفقد الكثيرون أبديتهم ومجدهم السماوي وشركتهم مع السمائيين بسبب الاستعباد للشهوات الجسدية الدنسة.
غالبًا ما يُقصد بالشفتين والفم هنا القبلات المثيرة للشر مع الكلمات العاطفية الغاشة.
يتطلع الإنسان الحكيم إلى المرأة الشريرة بفمها ذي الشفتين الناعمتين كعدوٍ خطيرٍ يقف ممسكًا بسيف ذي حدين. كل شفاه أشبه بحد سيف، أينما توجه السيف يقطع ويدمر... هكذا فم الشريرة.
V يُقدم أحدهم هذه النصيحة: "لا تُلاحظ جمال المرأة الأجنبية، ولا تلتقي بامرأة تُدمن الزنا. إذ تقطر شفتا الزانية عسلاً، الذي إلى حين يبدو لينًا لحنجرتك، لكنه بعد ذلك تجده أكثر مرارة من الأفسنتين، وأكثر حدّة من سيفٍ ذي حدّين. فالمرأة الزانية لا تعرف كيف تُحب بل تصطاد؛ قبلاتها مملوءة سمًّا، وفمها مخدِر ضار. إن كان هذا لا يظهر في الحال، فبالأكثر يجب تجنبها، لأنها تحجب هذا التدمير وتختم على هذا الموت ولا تسمح له بالظهور في البداية[138].
القديس يوحنا الذهبي الفم
V تبدو ملامح الزانية مقبولة. أنا أعلم ذلك، إذ يقول الكتاب: "شفتا المرأة الأجنبية تقطران عسلاً" [3]. لهذا السبب احمل كل هذا التعب حتى لا تكون لك خبرة هذا العسل، فإنه في الحال يتحول إلى إفسنتين. هكذا يقول أيضًا الكتاب المقدس: "هذا الذي إلى حين ليّن لحنجرتك، لكنه بعد ذلك تجده أكثر مرارة من الإفسنتين، وأشد حِدّة من سيفٍ ذي حدّين" [3،4 LXX][139].
القديس يوحنا الذهبي الفم
V هكذا حرم الإنسان نفسه من ثمار الأمور الصالحة وملأ (بطنه) بالثمر الذي يجلب دمارًا خلال العصيان[140].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
"قدماها تنحدران إلى الموت.
خطواتها تتمسك بالهاوية.
لئلا نتأمل طريق الحياة،
تمايلت خطواتها ولا تشعر" [5-6].
بدأ وصفه للمرأة الزانية بشفتيها اللتين تقطران عسلاً مسمومًا، قد دهنتهما بزيت الخداع لتسحب كل قلب إليها. من يستمع إليها ينزل إلى الأسافل، "قدماها تنحدران إلى الموت"، ولا يرتفع إلى قمم الجبال العالية والتلال الراسخة، فيعجز عن إدراك صوت حبيبه الحقيقي. يفقد قدرته على الترنم قائلاً: "صوت حبيبي. هوذا آتيًا طافرًا على الجبال، قافزًا على التلال" (نش8:2). وكما يعلق القديس غريغوريوس النيصي على هذه التسبحة الرائعة فيقول بأن العروس وقد تيقظت بطرق كثيرة بلغت قمة السعادة. لقد تحدث معها عريسها خلال الآباء والأنبياء، خلال الجبال والتلال، والآن قدُم إليها بنفسه ليتحدث معها فمًا لفمٍ ووجهًا لوجهٍ[141].
خطورة المرأة الزانية أن حركاتها تميل يمينًا ويسارًا، أو خطواتها غير ثابتة، لهذا تسحب قلب من يرتبط بها إلى حيث لا يدري. الأمر الأكيد أنها تضم معها من يرتبط بها إلى مملكة الموت.
في البداية تظهر كحيّة تبث سمومها، شهواتها الباطلة تشكل كل كيانها وحركاتها وكلماتها لكي تحدر النفوس إلى الموت آجلاً أو عاجلاً. الالتصاق بها يُسرع بالجسد إلى الدمار ويُسقط النفس في الموت الأبدي. إنها تسحب القلب والفكر من التأمل في طريق الحياة الأبدية، ليس علانية، ولكن بالخداع ومع مرور الزمن ينسى المُلتصق بها يوم الدينونة، فلا تشتهي نفسه أكاليل المجد، ولا تخشى نار جهنم.
العلامات الظاهرة لطريق الخطية هي: العاطفة والحب والعذوبة والتنعم والحياة المترفة والتدليل والميوعة... أسماء براقة جذابة للإنسان، فيظن أن الحياة بدونها لا طعم لها، أما العلامات الخفية الحقيقية لهذا الطريق فهي الموت والهاوية والدمار الأبدي. وإذ وضع الحكيم هذا اليوم العظيم أمام أعين تلاميذه يقول:
"والآن أيها البنون اسمعوا لي،
ولا ترتدّوا عن كلماتي" [8].
V حسنًا، لقد بدأ يخاف يوم الدينونة.
ليته بالخوف يُصلح حياته، ليسهر ضد أعدائه، أي خطاياه.
ليبدأ ينطلق نحو الحياة الداخلية مرة أخرى ويميت أعضاءه التي على الأرض كقول الرسول[142].
القديس أغسطينوس
"أبعد طريقك عنها،
ولا تقرب إلى باب بيتها" [9].
يُقدم لنا الحكيم هذه النصيحة، وهي الابتعاد عن طريق الخطية وعدم الاقتراب إلى مدخل بيتها، حتى لا تسقط في حبائلها.
V هذه النصيحة التي يُقدمها لنا كاتب الأمثال: "أبعد طريقك عنها، ولا تقرب إلى باب بيتها" [8] هي بخصوص الزانية. أود أن أردد نفس الأمر بالنسبة لمحبة المال. فإنه بالدخول التدريجي إليها تسقط في محيط الجنون ولا تقدر أن تتخلص منها بسهولة. فتكون كمن في عاصفة، تجاهد ما استطعت لكنك لا تبلغ إلى الخلاص منها بسهولة. فإنك بعدما تسقط في هوة الطمع الشريرة تحطم نفسك وكل ما تملكه (أع20:8).
هكذا نصيحتي هي أنه يلزمنا أن نحذر من البداية، ونتجنب الشرور الصغيرة، فإن الشرور العظيمة تصدر عن هذه[143].
القديس يوحنا الذهبي الفم
"لئلا تُعطي زهرك (كرامتك) لآخرين،
وسنينك للقاسي" [9].
بالمعنى الحرفي يحذر الحكيم الإنسان الذي تخدعه الخطية، خاصةً الزنا، لئلا يكتشف الزوج ما يفعله هذا الساقط مع زوجته الخائنة، فيفقد كرامته أمامه، بل وأمام الجماعة كلها، ويُحكم عليه بالموت، أو يسقط تحت عقوبات تمرر حياته. أما روحيًا، فإن ما هو أخطر أن ما يرتكبه الإنسان تعرفه السماء، فيفقد موضعه هناك، ولا يكون له نصيب بين السمائيين والقديسين. يفقد بهاءه الذي كان يليق به أن يقتنيه بالتقائه الدائم مع الله وشركته مع السمائيين، فيهوي مع إبليس وجنوده إلى المذلة والعار والهوان.
إذ يتهاون الإنسان مع نفسه ويقترب من الخطية أو يقف بجوار بابها، يفقد احترامه لنفسه وينسى كرامته في الرب، ويُسلم بقية عمره لعدو الخير. الخطية، خاصة الزنا، غالبًا ما تبدو رقيقة ولطيفة، لكنها تُخضعنا لسيد عنيف، مستبدٍ، ومحطمة للنفس ولكرامتها الحقيقية.
V من هم غرباء عنا إلا الأرواح المهلكة التي انفصلت عن جماعة السمائيين؟ وما هي كرامتنا سوى أننا بالرغم من كوننا أجسادًا من الطين خُلقنا على صورة صانعنا ومثاله؟! أو من هو عنيف إلا الملاك المرتد الذي أصاب ذاته بألم الموت خلال الكبرياء ولم يتوقف عن أن يجلب الموت على الجنس البشري مع أنه هو نفسه مفقود؟! لذلك يُعطي كرامته للغرباء ذاك الذي خُلق على صورة الله ومثاله وكرّس أزمنة حياته لملذات الأرواح المُهلكة[144].
الأب غريغوريوس (الكبير)
"لئلا تُشبع الأجانب من قوتك،
وتكون أتعابك في بيت غريب.
فتنوح في أواخرك عند فناء لحمك وجسمك" [10-11].
الشر كالعاصفة العنيفة تهبّ فتُحطم كل شيء. حينما يرتكب الإنسان الخطية، خاصة الزنا، يظن أنه يتمتع بنوعٍ من الشبع عِوض الحرمان، وهو لا يدري أنه يُسلم قوته لعدو الخير، ويُسلم كل ما يملكه إلى بيتٍ غريبٍ، ليس فقط من الجانب الروحي، بل حتى في الأمور المادية، إذ غالبًا ما تنتهي حياته بالمرارة. يفقد الكثير من ممتلكاته ويخسر صحة جسده.
ربما يقصد هنا أنه إذ يُكتشف أمر الزاني يلتزم بالإنفاق على من سقط معها في الزنا، وعلى المولود منها مدى الحياة، بهذا يشبع الأجانب من قوته ويكون تعبه في بيت غريب.
"فتقول: كيف إني أبغضت الأدب،
ورذل قلبي التوبيخ،
ولم اسمع لصوت مرشدي،
ولم أمل أذني إلى مُعلمي.
لولا قليل لكنت في كل شرٍ في وسط الزمرة والجماعة" [12-14].
الأمر ليس كما يظن البعض مجالاً للتسلية، لكنه بحق خطير، فما يزرعه الإنسان إياه يحصد. ولعلنا نرى الآن كيف تئن المجتمعات من ثمار الانحلال الذي بذرته في قلوب الأجيال الجديدة فحصدت مرارة ودمارًا.
حسب الشريعة الموسوية يتعرض الزاني للرجم حتى الموت (تث22:22)، لكن ما هو أخطر يفقد الإنسان الحياة الأبدية.
مع أنه في وسط الزمرة والجماعة، أي في وسط كنيسة العهد القديم أو العهد الجديد، لكنه حرَم نفسه من سلامها وفرحها، وعزل نفسه بنفسه عنها خلال عدم سماعه لصوت أبيه الروحي، مرشده ومعلمه. رفض التأديب والتوبيخ ففقد عضويته الكنسية حتى وإن حملها في الظاهر.
V من يعتمد على رأيه الذاتي، ولو كان قديسًا، فهو مخدوع، وخطر خداعه أخطر من خطر المبتدئ الذي سلم تدبيره بيد غيره. فالأول يشبه ربان سفينة ألقى بنفسه في مركبٍ بلا شراع ولا مجدافٍ في وسط البحر، متكلاً على حذاقته وفن تدبيره. والثاني أي المبتدئ يشبه من لا خبرة له في سفر البحر، فيطلب من نوتيٍ ماهرٍ أن يركبه في سفينته العامرة بكل لوازمها واحتياجاتها.
فلا ينخدع أحدكم ويهرب من نير الطاعة اللين، عازمًا أن يتمسك برأيه في الأمور الروحية مثل الصوم والصلاة وغير ذلك من علامات الإيمان والنسك، ظانًا أنه بذلك يخلص!!
يوحنا الذهبي الفم
V الطاعة...هي جحود النفس، موت المشيئة، قبر الهوى، قيامة الاتضاع...
الطاعة موت أعضاء الجسد وهوى النفس، وذلك يكون للمبتدئ بألم، وللمتوسط تارة بألم وأخرى بلا ألم، وأما الكامل فلا يشعر بألم إلا إذا فعل شيئًا بحسب هوى نفسه...
فالذين يريدون أن يحملوا نير المسيح على رقابهم، ويُحّملون أحمالهم على رقاب غيرهم (آبائهم أو مرشديهم الروحيين)، سبيلهم أن يرفضوا أهواءهم الذاتية ويفعلون ما يرون أنه موافق لإرادة الله.
V بلا مدبر لا تكون السلامة. فمن الطاعة الاتضاع، ومن الاتضاع الشفاء من الآلام. فقد كُتب أنه باتضاعنا ذكرنا الرب وخلصنا من أعدائنا.
يوحنا الذهبي الفم
V يا لسعادة من يميت إرادته ويترك تدابير نفسه لذاك الذي أعطاه اللّه إياه أبًا ومعلمًا، فسيكون مكانه عن يمين يسوع المسيح المصلوب.
V الذي يطيع أباه مرة ويخالفه مرة، ويطيعه في شئ ويخالفه في آخر، فهو تارة يبنى وأخرى يهدم، فيكون تعبه باطلاً.
V ذاك الذي يطيع أباه الروحي تارة ويعصاه أخرى، مثله مثل الذي يضع تارة ماء جيدًا لعينيه المريضتين، وأخرى يضع عليهما كلسًا حارًا.
قال الآباء أن التسبيح بالمزامير سلاح، والصلاة حفظ، والدموع النقية غسل، والطاعة الفاضلة شهادة، فبغير اعتراف وطاعة لا يخلص الخطاة.
V إن طريق الطاعة هو أقصر المسالك، وإن يكن أكثرها صعوبة. ولا يوجد إلا طريق واحد متى سلكنا فيه ضللنا: وهو الذي ندعوه "الاتكال على الذات وعلى إرادتنا الشخصية".
V الطاعة احتجاج أمام اللّه. فان سُئلت منه: لماذا فعلت هذا؟ تجيبه "أنت يا سيد أمرت بالطاعة، ,أنا فعلت ما أمرت به" ،فتجاوبه هكذا وتتبرر.
إن السفر بهذه السفينة فيه أمان من الغرق. فيسافر الإنسان وهو نائم، كما يسافر الإنسان في السفينة نائمًا ولا يلتزم بتدبيرها، لأن مدبرها حاضر. هكذا حال الإنسان السائر تحت الطاعة، يسافر نحو السماء والكمال وهو نائم من غير تعبٍ ولا تفكير فيما ينبغي أن يفعل. لأن الرؤساء هم مدبرو هذه السفينة والساهرون من أجله. لعمري أنه ليس بالأمر الهين بل هو عظيم جدًا. فالإنسان يجتاز بحر هذا العالم وهو على ساعد غيره وذراعه!! هذه هي النعمة الكبرى التي يفعلها الله مع السالك تحت الطاعة.
القديس يوحنا الدرجي
3. علاج الانحلال
"أشرب مياهًا من جُبّك،
ومياهًا جارية من بئرك" [15].
قديمًا كان أصحاب البيوت والحقول يعتزون بالآبار التي يشقونها والجُب الذي يحفرونه كأشياء خاصة وثمينة للغاية (2مل31:18؛ إر6:38).
هنا يشير إلى الأمانة في الحياة الزوجية، حيث يرتبط الزوجان معًا في الرب، فيشرب كل منهما من جبّه، حيث يرى مياه الحب في قلب الطرف الآخر، حاسبًا إياها جُبُّه وبئرُه العميق وينبوعه.
يقدم الحكيم هنا نظرة سامية ومقدسة للحب الزيجي، في وقت كان فيه الحديث عن العلاقات الجسدية بين الزوجين يُعتبر أمرًا مخجلاً ومشينًا. هنا يعلن أن الزواج يقدسه الله، فيشعر كل من الزوجين بتقديره للآخر وتقديس المشاعر العاطفية، وحتى جسده وجسد الطرف الآخر. يحدث الرسول بطرس الأزواج، قائلاً: "معطين إياهن كرامة كالوارثات أيضًا معكم نعمة الحياة لكي لا تُعاق صلواتكم" (1بط7:3).
من يطلب العاطفة أو الحب الشهواني أو يُسلم جسده لآخر غير (زوجته أو زوجها) إنما يفيض بينبوعه إلى الخارج، ويُبدد مياهه في الشوارع، يفقد ما له حيث يُسلم مياه حبه لأجنبي.
يلاحظ أن كلمة "بئر" أو "جب" في العبرية بصيغة المفرد، كأن سليمان الحكيم الذي لظروف سياسية سقط في تعدد الزوجات يوضح هنا ارتباط الشخص بزوجة واحدة، التي يتطلع إليها كينبوعه الواحد، كما تتطلع هي إلى زوجها ينبوعها الواحد... الله خلق حواء وحدها لآدم، ويكون هو لها.
V يقول إشعياء "أيها العطاش هلمّوا إلى المياه" (إش1:55). ويحثنا سليمان: "اشرب مياهًا من آنيتك"...
أفلاطون الفيلسوف الذي تعلّم من العبرانيين يأمر الأزواج ألا يشربوا أو يأخذوا ماءً من آخرين، بل يحفروا أولاً في أرضهم (الارتباط بالزوجة وحدها) التي يُقال عنها أنها أرض بكر[145].
القديس اكليمنضس السكندري
V إن تطلعت في غير طهارة مشتهيًا زوجة قريبك، يكون نصيبك مع الزناة... دعْ ينبوعك لك واشرب ماء من بئرك. لتكن ينابيعك لك وحدك ولا تدع آخر يشرب معك. اطلب طهارة جسدك كما تطلب ذلك من الطرف الآخر. فإنك كما لا تريد زوجة صباك أن تتنجس مع رجلٍ آخر، لا تتنجس أنت مع امرأة أخرى زوجة رجل آخر[146].
مار أفرآم السرياني
V ليكن ينبوع مياهك (زوجتك) لك وحدك وليس لأجانب معك عندئذ لا تهتم بنهرٍ غريب (سيدة أخرى) ولا أن تبهج الآخريات أكثر من زوجتك. لئلا إن حُملت إلى موضع آخر، تمارس شريعة النجاسة مع الطرف الآخر أيضًا[147].
القديس غريغوريوس النزينزي
والينبوع الداخلي هو فيض الحب الإلهي الذي يفجره الروح القدس فينا.
V حسنة إذن هذه المياه، التي هي نعمة الروح.
من يهبني هذا الينبوع لصدري؟
لينبع في داخلي، ليفض ذاك الذي يهب حياة أبدية عليّ.
ليفض هذا الينبوع عليّ وليس خارجًا عني. إذ يقول الحكمة: "اشرب مياهًا من جُبكّ، ومياهًا جارية من بئرك، لا تفض ينابيعك إلى الشوارع".
كيف احتفظ بهذا الماء لكي لا يفيض وينحدر بعيدًا؟
كيف احتفظ بالإناء حتى لا يصيبه شق الخطية، فتتسلل منه مياه الحياة الأبدية؟
علمنا أيها الرب! علمنا كما علمت تلاميذك، قائلاً: "لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض حيث يُفسد السوس والصدأ، وحيث ينقب السارقون ويسرقون" (مت19:6)[148].
القديس أمبروسيوس
إن كان الحكيم يتحدث هنا عن نقاوة المتزوجين، فإن حديثه أيضًا ينطبق على نقاوة التعليم. فالمعلم الذي يكرز بما يقوله الآخرون دون أن يختبره في حياته العملية، لا يشرب من مياه جُبّه، ولا يتمتع بمياه بئره. يليق بنا أن نشرب من ينابيع قلوبنا الداخلية حيث يفيض الروح القدس بمياهه فيها فنرتوي ونفيض على الغير.
V افتح رواق قلبك لكلمة الله الذي يقول لك: "افتح فاك وأنا أملأه!" [149]
القديس أمبروسيوس
V كل الذين لا يحبون الله غرباء وأضداد للمسيح. وبالرغم من حضورهم إلى الكنائس لا يُمكن إحصائهم بين أولاد الله، ولا ينتمي ينبوع الحياة إليهم.
إن يعتمد الإنسان هذا ممكن حتى بالنسبة للشرير، أن يتنبأ الإنسان هذا ممكن للشرير! [150]
القديس أغسطينوس
"لا تفض ينابيعك إلى الخارج،
سواقي مياه في الشوارع.
لتكن لك وحدك وليس لأجانب معك" [16-17].
ماذا يعني بالذي يفيض بمياهه إلى الخارج، ويلقي بمياه السواقي في الشوارع؟ إنه ذاك الغبي الذي لا يبالي بقيمة المياه في المناطق النائية، فيبددها برشها في الشوارع.
يرى البعض هنا صورة بعض الرجال في العصور القديمة الذين لم يقدسوا الحياة الأسرية، فلم يكتفي الرجل بزوجة واحدة ليهتم بها مع أبنائهما، بل كل ما كان يشغله إشباع شهواته مع أكثر من زوجة، وإرضائهن جميعهن بأن يكون لهن أطفال منه... حتى أنه أحيانًا لا يعرف أسماء أبنائه من كثرة عددهم، وبالتالي لا يقدم لهم روح الأبوة ويهتم بتربيتهم وخلاصهم[151].
ربما يقصد أن من يشرب من الينبوع الخارجي أي من غير زوجته (أو رجلها) إنما يدفع الطرف الآخر أن يسلم نفسه للزنا. بينما يشرب الرجل من ينبوع ليس له، يفقد ينبوعه (زوجته) التي تسلم عواطفها وربما جسدها لغيره. بهذا يخطئ في حق نفسه وفي حق شريكة حياته.
V عندما ينحرف أي شخص بطاقة أفكاره إلى الشر يكون قد بدد فيض المياه علي الغرباء.
مادمنا نروي طريق حياتنا الذي تنتشر فيه الأشواك بمياه الأفكار الشريرة تجف النباتات الصالحة وتنتهي، لأن جذورها لا تنتعش برطوبة الأفكار الصالحة[152].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
"ليكن ينبوعك مباركًا،
وافرح بامرأة شبابك" [18].
"الظبية المحبوبة والوعلة الزهية،
ليُروِك ثدياها في كل وقت،
وبمحبتها اسكر دائمًا" [19].
V كلمة الله حيّ، والنفس التي تستقبله حيَّة. هذا النوع من الماء يفيض من الله، إذ يقول الينبوع نفسه: "لأني خرجت من قِبَل الله" (يو42:8). لدي العروس فيض من الماء في داخل بئر نفسها، فتصير خزانة لهذا الماء الحيّ الذي يفيض من لبنان (نش15:4) [153].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
ليسلك الزوجان بروح البساطة مع الحب، فكما يشبع الرضيع من ثديي أمه، هكذا يشبع الزوجان من حبهما المشترك.
تشبيه الزوجة بالظبية المحبوبة والوعلة المبتهجة إنما يُشير إلى نقاوة الحب وسرعة التجاوب بينهما. فالظبية ترمز إلى طهارة الجسد، والوعلة المبتهجة إلى سرعة الحركة.
استخدم سليمان الحكيم كلمات مشابهة في سفر نشيد الأناشيد (9:2،17؛5:4؛3:7).
"فلم تُفتن يا ابني بأجنبية وتحتضن غريبة" [20].
الفعل هنا في الأصل يعني أن يجول الإنسان أو يضل حتى يصير أسيرًا. هكذا من يسقط في حبائل زانية (أجنبية) أو زوجة رجل آخر. يظن أنها تتعلق به وتحبه، ولا يدري أنها تأسره في حبال الخطية المحطمة للحرية.
"لأن طرق الإنسان أمام عيني الرب وهو يزن كل سبله.
الشرير تأخذه آثامه،
وبحبال خطيته يُمسك.
إنه يموت من عدم الأدب،
وبفرط حمقه يتهور" [21-23].
يسألنا النقاوة الداخلية والخارجية، فلا نُفتن بأجنبية خلال نظراتنا الخفية أو الفكر، ولا نحتضن غريبة بسلوكٍ عملي. فإن الله ينظر إلى الإنسان ويعرف أسراره الخفية وتصرفاته الظاهرة. وكما يقول الرسول: "ليس خليقة غير ظاهرة قدامه، بل كل شيء عريان ومكشوف لعيني ذلك الذي معه أمرنا" (عب13:4).
من يسقط في الخطية إنما يربط نفسه بحبالها، ويشرب من كأسها، ويأكل ثمارها المهلكة. فالخطية تحمل في داخلها أجرتها، حيث تستعبده وتذله وتهلكه.
V إنك لا تؤذي أحدًا، إنما كل إنسان يُربط بحبال خطيته. (راجع مز15:7-16،6:57) [154].
القديس أغسطينوس
V "ليسقطوا في الفخ (الذي نصبوه)... مجازاة خطيرة، ليس عدل أكثر من هذا! لقد أخفوا فخًا لكي لا أعرفه، ليمسك الفخ بهم الذي لا يعرفونه... الشرير يُربط بحبال خطيته، لذلك يُخدع الأشرار بما يريدون أن يخدعوا به الغير. حينئذ يحل بهم الضرر عندما يودون ضرر الغير. لذلك قيل: "لتمسك بهم الشبكة التي أخفوها، وليسقطوا في فخهم".
إنه كمن يعد كأس سم لآخر، وينسى أنه سيشرب هو منه، أو من يحفر حفرة لكي يُسقط عدوه فيها وسط الظلام ناسيًا أنه سيسير هو أولاً في الطريق الذي حفر فيه ويسقط...[155]
القديس أغسطينوس
V الملذات ذاتها التي نتمتع بها تصير عذابًا لنا، والمباهج والمسرات التي للجسد تتحول إلى معذبين لمن أصدرهم[156].
القديس يوحنا كاسيان
يختم حديثه هنا بنهاية "الأحمق" المتهور الذي لا يضبط نفسه. ويلاحظ أن كلمة "ضبط النفس" وردت 42 مرة في هذا السفر، وكلمة "جاهل" تكررت 40 مرة، فمن لا يضبطون أنفسهم يعيشون بروح الحماقة والجهل، ومن يسلكون بحماقة يفقدون ضبطهم لأنفسهم.
خلاصة هذا الأصحاح أن من ينحني بنفسه أمام الشهوات الجسدية يفقد ضبطه لنفسه، فيعيش في غباوة.
التعليم الإلهي الخاص بالعلاقات الجسدية
يؤكد هذا الأصحاح أن كل علاقة يسقط فيها الشاب قبل زواجه لها أثرها على بيته في المستقبل، فالطهارة تحفظ الإنسان في بيته ليشرب من ينبوعه الصالح. العلاقات الخاطئة تحطم سلام الشاب الداخلي وتفقده قدسية النظرة إلى الحياة الزوجية، خاصة في العلاقات الجسدية، فيشرب مرارة ويفقد عذوبة الحياة الأسرية.

من وحي الأمثال 5
لأمل أذني إلى صوتك،
فلا أستعذب الأصوات الغريبة
V أملت أيها الآب أذنيك إليَّ،
فنزل الكلمة الإلهي ينصت إلى أنات قلبي المرة،
ينصت إليَّ بالحب،
ويُسمعني صوته الفائق بلغة الصليب.
V هب لي أن تميل أذني إليك،
فأسمع صوتك وأستعذبه،
أشبع بالحكمة والمعرفة والفهم.
فأميّز صوت الغريب وأهرب منه.
V صوت حبيبي هوذا آتيًا طافرًا على الجبال،
قافزًا على التلال.
عشت عند السفح زمانًا فلم أميّز صوتك،
لتحملني إلى جبال كلمتك،
ولترفعني إلى تلال محبتك،
فأعرف صوتك يا حبيب نفسي!
V هب لي ألا أتطلع إلى امرأة غريبة!
إني ابنك، والخطية غريبة عني!
هب لي ألا أطلب ملذاتها!
توّد أن تقتلني، تبعث بسمومها في أعماقي!
طرقها متمايلة،
لكنها بالتأكيد تحدر نفسي إلى الموت!
V شفتاها سيف ذو حدين،
من يقدر أن يخلُص منهما؟!
بقبلاتها تحطم وتدمر بلا رحمة!
تنزل بمجد الإنسان إلى التراب،
وتفقده كل تعب يديه!
وتفني لحمه وجسمه!
V لأهرب ولا اقترب إلى باب بيتها،
لأهرب إليك أيها الباب الملوكي!
بك أدخل إلى بهجة الخلاص،
بك أتمتع بفرح السماء!
أنت ملجأي وحصن حياتي!
هب لي أن أشرب من ينبوع الروح القدس،
أمل إلى أعماقي فارتوي وألتهب حبًا!
نعم لأرفض كل ينبوع غريب!
ولا أبدد ينبوعي الداخلي!
V هب لنا قدسية الحياة الزوجية،
فيشبع العروسان من ينابيع حبك،
ويستظل الاثنان تحت جناحي نعمتك!
<<

الأصحاح السادس


التصرفات غير المسئولة
إذ يُحذرنا الحكيم في الأصحاح الخامس من صوت المرأة الزانية التي تحمل عسلاً في فمها ممتزجًا بمرارة مع سُمٍ مميتٍ، موضحًا أن الإنسان إنما يسقط في حبائل شره، ويشرب من ذات الكأس التي يملأها، الآن يقدم أربعة أمثلة للتصرفات الخاطئة التي تجلب على الإنسان مرارةً وهلاكًا، وهي:
التصرفات غير المسؤولة (بلا تقدير سليم).
الكسل.
الخداع.
الدنس.
1. التسرع في ضمان الغير1-5.
2. الكسل والنملة6-11.
3. اللؤم12-15.
4. سبعة أمورٍ مكرهة للرب16-19.
5. الحاجة إلى التعلم20-23.
6. تحذير من الشريرات24-33.
7. الغيرة34-35.
1. التسرع في ضمان الغير (التصرفات غير المسئولة)
"يا ابني إن ضمنت صاحبك،
إن صفَّقت كفَّك لغريب،
إن علَّقت في كلام فمك،
إن أُخذت بكلام فيك،
إذًا فافعل هذا يا ابني ونجِّ نفسك،
إذا صرت في يد صاحبك،
اذهب ترام وألح على صاحبك.
لا تُعطِ عينيك نومًا ولا لأجفانك نُعاسًا،
نجِّ نفسك كالظبي من اليد،
كالعصفور من يدّ الصيَّاد" [1-5].
في الأصحاح السابق يحذر سليمان الحكيم الشاب من الخلط بين الحب الطاهر الذي ينمي الشخصية ويسند النفس والشهوة التي تحطم كيان الإنسان كله: جسدًا ونفسًا وروحًا. هنا يحذر الشاب من المحبة المتسرعة غير الحكيمة، حيث يقوم الإنسان بضمان الغير دون الاهتمام بحساب النفقة. وقد حذر الحكيم من هذا السلوك عدة مرات (15:11؛ 18:17؛ 16:20؛ 26:22؛13:27). فبحسب القضاء اليهودي يتعرض الضامن الذي يعجز عن إيفاء دين من ضمنه لمصادرة ممتلكاته، بل وبيعه عبدًا لحساب الدائن.
كثيرًا ما يتقدم الشاب ضامنًا لغيره بدافع الكبرياء والاعتزاز بذاته وإمكانياته، بغير تروٍ، لهذا يطالبه الحكيم بالاتضاع فيرتمي كما عند قدمي المدين ويسأله أن يوفي ما عليه. إنه لم يطلب منه أن يرتمي عند قدمي الدائن ليعفو أو يؤجل الدين للمدين، بل عند قدمي المدين ليوفي ما عليه، مما يدل أنه يتحدث عن كفالةٍ لتاجرٍ قادرٍ على السداد، وليس لفقيرٍ محتاجٍ إلى القرض للضرورة.
يرى البعض أن ممارسة الضمان قد تطورت وتزايدت بين اليهود في ذلك الحين، فتخصص بعض الشبان الأثرياء في القيام بعمليات الضمان بين أفراد من بني جنسهم وغرباء، هدفهم أخذ أكبر قدر من الربا، فانجرفوا بهذا وراء الطمع، لكن انتهت حياتهم بالإفلاس، بل وبضياعهم تمامًا. فالتحذير هنا ليس ضد العمل الإنساني والكرم في الضمان وإنما ضد المعاملات التجارية الخاطئة.
يُقدم لنا سليمان الحكيم المبادئ التالية في ضمان الغير:
أولاً: ألا تتسرع في ضمان الغير، فإن هذا الضمان وإن كان بكلمة من الفم، فإن الإنسان المؤمن يرتبط بالكلمة التي ينطق بها. هذا التسرع يُحسب فخًا يسقط فيه الإنسان. يقول البعض إن شفتي الإنسان هما فخ يسقط فيه الإنسان بكلماته. لهذا يليق بالمؤمن أن يُكرس طاقاته لضبط اللسان أكثر من بقية الأعضاء، ووضع لجام له. نحتاج إلى عمل الروح القدس الذي يُقدس اللسان.
V تسيب اللسان هو فخ خطير، يحتاج إلى لجامٍ قويٍ. لذلك قال أحدهم: "شفتا الإنسان فخ قوي يُنصب له، يصطاده بكلمات فمه".
لنضبط هذا العضو أكثر من كل بقية الأعضاء.
لنلجمه، ولنستبعد عنه كلمات العتاب العنيفة والألفاظ الفظة والحمقاء والأسلوب الجارح، وعادة القسم الرديئة[157].
القديس يوحنا الذهبي الفم
V إكثار الكلام هو عرش للعُجب...
إكثار الكلام دليل عدم المعرفة.
V صديق الصمتيتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرّا يستنير بنوره[158].
القديس يوحنا الدرجي
ثانيًا: إن ضمنت إنسانًا لا تأخذ الأمر بتهاون، لكن يليق بك ألا تنام ولا تستريح، باذلاً كل الجهد لكي يسدد المدين دينه الذي ضمنته، بهذا تحرر نفسك من الالتزام فتكون كالظبي المسرع من يد الصياد، أو كالعصفور الطائر بعيدًا عن الفخ.
ويلاحظ أن كلمتي "يد" و"صياد" في العربية كما في العبرية "sayyad, yad"؛ وأن كلمة "يد" مشتركة في الكلمتين إذ يسقط بجهله أسيرًا في يد الصياد ولا يفلت منها.
يشجع ابن سيراخ المؤمن أن يعامل الإنسان أخاه بالحب مع الحكمة فيقول:
"الرجل الصالح يكفل قريبه، والذي فقد كل حياء يخذله...
الكفالة أهلكت كثيرين من الميسورين، وتقاذفتهم كـأمواج البحر.
ألجأت رجالاً مقتدرين إلى الهجرة ، فتاهوا بين أمم غريبة.
الخاطئ الذي يتهافت على الكفالة سعيًا وراء الكسب يتهافت على دينونته.
ساعد قريبك بقدر طاقتك،
وأحذر على نفسك أن تسقط" (ابن سيراخ 14:29-20).
مرة أخرى نؤكد أن سليمان الحكيم لا يوصي بعدم الضمان، وإنما بالحكمة في التصرف، مهما كان الدافع إليه. يوجد مثل يهودي (ربّاني): "عندما يذهب الأحمق إلى السوق يفرح التجار".
2. الكسل والنملة
يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الإنسان الذي خُلق على صورة الله ومثاله ينحط بالخطية لينزل حتى تصير الحيوانات والحشرات أفضل منه في أمور كثيرة. فالحيوانات المفترسة كالأسود إذ تجتمع معًا تسند بعضها البعض، ولا يهاجم أحدها الآخر، أما الإنسان فإذ يجتمع بأخيه غالبًا ما تدب بينهما روح الغيرة والحسد مما يدفع أحيانًا إلى ارتكاب جرائم القتل. أيضًا يفقد الإنسان حديثه ونشاطه وحكمته فيحتاج أن يتعلم ذلك من النملة. وكما يقول سليمان الحكيم:
"اذهب إلى النملة أيها الكسلان.
تأمل طرقها وكن حكيمًا.
التي ليس لها قائد أو عريف أو متسلط.
وتعد في الصيف طعامها، وتجمع في الحصاد أكلها.
إلى متى تنام أيها الكسلان؟
متى تنهض من نومك؟!" (6-9)
يطلب الحكيم من الكسلان أن يذهب إلى النملة لكي يتعلم منها أمورًا كثيرة منها:
ا. بالرغم من عدم وجود قائدٍ أو مدبرٍ عام، لكن النمل يعرف كيف يعمل معًا لصالح الجماعة (team work). لقد سبق النمل الإنسان في العمل المنظم الجماعي، دون صراعٍ على مراكز القُوى أو السلطة.
ب. لا تحتاج النملة إلى قائد لها يُلزمها بالعمل، لكنها تعمل بغريزة داخلية دون ضغط خارجي، بينما كثيرًا ما يعمل الإنسان، لا من أجل أمانته الداخلية لكن خوفًا من الغير، خشية أن يفقد الأجرة أو الكرامة.
ج. يُعدْ النمل طعامه في الربيع والصيف والخريف، لينام ويستريح وقت الشتاء. إنه يعمل مادام وقت عمل ويبقى عاملاً إلى فترات طويلة حتى متى حل الوقت الذي فيه لا يقدر على العمل يجد بجواره ما يأكله. إنه لا يعرف النوم في فترات العمل، بل يجتهد بلا تراخٍ. هكذا يليق بنا أن نعمل مادام الوقت نهار، حتى متى حلّ الليل نستريح.
ليس بين الحشرات من هو مجتهد بحق وعامل باستمرار كالنمل، حتى النحل الذي يجمع الرحيق من الزهور ليس دائم الحركة والعمل كالنمل.
د. لم يذكر سليمان الحكيم اهتمام النمل بصغاره، فإنه يحمل الصغار قبل اكتمال نموه ويخرج به إلى خارج الثقب ويضعه عند المدخل ليتعرض لضوء الشمس وينتفع بها. وإذا ما شعر بأن المطر يحل يحمله إلى داخل الثقب, ويضع حجرًا صغيرًا جدًا حتى لا يتسلل الماء إلى صغاره. حقًا يُحسب النمل مثالاً رائعًا وحيًّا للإنسان في العمل الدائب مع الاهتمام بالصغار.
كان البعض، في العصور الأولى، يخجلون أن يتعلموا على يد امرأة ولو كانت هذه السيدة هي الأم، كما اعترف القديس أغسطينوس قائلاً لله: "كنتَ تُحدثني على فم أمي، لكنني لم أكن أنصت إليك، لأنك كنت تحدثني على فم امرأة". ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم متعجبًا ممن يرفضون تعليم بعض النساء كالأمهات، بينما نزل الإنسان إلى المستوى الذي صار فيه محتاجًا أن يتعلم من حشرة صغيرة كالنملة.
V إن كنتَ تخجل من أن يكون لك امرأة كمعلمٍ لك اهرب من الخطية، عندئذ تستطيع الصعود إلى الحكمة التي يهبها لك الله. مادمت تخطئ فإن الكتاب المقدس يرسل لك ليس فقط امرأة بل وخليقة غير عاقلة وأحيانًا رديئة! حقًا إنه ليس مخجلاً أن يرسلك تلميذًا لنملة وأنت مكرم بالعقل[159].
V نقول: لاحظ كيف أن كائنًا أقل منك مملوء غيرة وساهر! لذا تقبل من هذه الحشرات (الحيوان) أفضل نصيحة في العمل، وتعجب من ربك ليس لأنه خلق السماء والأرض فقط، ولكنه أيضًا خلق النملة. فمع كونها صغيرة تقدم برهانًا على عظمة حكمة الله. تطلع كيف تسلك النملة بتعقلٍ، وكيف غرس الله في هذا الجسد الصغير رغبة للعمل بلا انقطاع[160]!
القديس يوحنا الذهبي الفم
V كن متعقلاً، قلِّد النملة كما يقول الكتاب: "لتُخزن في الصيف لئلا تجوع في الشتاء".
الشتاء هو اليوم الأخير، يوم الدينونة.
الشتاء هو يوم العصيان والمرارة.
اجمع ما سيكون لك في المستقبل وإلا فإنك تهلك لأنك غير متعقلٍ ولا حكيمٍ[161].
القديس أغسطينوس
كاد أن يخصص القديس يوحنا كاسيان مقالاُ كاملاُ عن ضرورة العمل وعدم الكسل حتى بالنسبة للمتوحدين:
V (الرسول بولس) كطبيبٍ مختبرٍ ماهرٍ يحاول العلاج بإجراء جراحة بسلاح روحي قائلاً: "أن تتجنبوا كل أخ يسلك بلا ترتيب وليس حسب التعليم الذي أخذه منا" (2تس6:3). هكذا يأمرهم أن يتجنبوا أولئك الذين لا يُكرسون وقتًا للعمل، وبترهم كأعضاء من البدن شوّهتها قروح البطالة والفراغ، خشية أن ينتقل مرض التراخي والكسل تدريجيًا إلى الأجزاء السليمة من الجسم، مثل بعض الأمراض المعدية المميتة.
حين يتكلم الرسول عن أولئك الذين لا يعملون بأيديهم، ويأكلون خبزهم في هدوء، يحثنا على تجنبهم. استمع إلى ما يدفعهم به من ضروب الملامة والتوبيخ عند استهلاله. فهو أولاً: يدعوهم "بلا ترتيب"، وأيضًا: "لا يسلكون حسب التعليم". وبعبارة أخرى يصفهم بالعناد لأنهم لا يسلكون وفق توجيهه، وبعدم اللياقة لأنهم لا يلتزمون بالأوقات اللائقة المضبوطة في خروجهم وزياراتهم وأحاديثهم. لأن الشخص غير المرتب يتعرض بالتأكيد لكل هذه الأخطاء.
"وليس حسب التعليم الذي أخذوه منا"، بهذا يوبخهم على أنهم على نحوٍ ما متمردون، ومستهزئون، قد استخفوا بالتعليم الذي أخذوه منه ولم يحرصوا عليه، ولم يتبعوا ما تذكروا أنه قد علمهم به لا باللفظ فحسب بل ومارسه بالفعل أيضًا... "إذ أنتم تعرفون كيف يجب أن يُتمثَّل بنا" (2تس7:3).
يحشد الرسول كومة هائلة من التقريع واللوم حين يؤكد أنهم لم يراعوا ما لا يزال عالقًا بذاكرتهم. والذين تعلموه ليس فقط بالإرشاد الشفوي، بل تسلموه أيضًا في شخصه كقدوة في العمل لابد أن تُحتذى[162].
القديس يوحنا كاسيان
3. اللؤم
إن كان الكسلان يُدان على كسله وإن كان لا يمارس شرًا، فكم بالأكثر تكون إدانة من يمارس الشر، خاصة اللؤم؟! إذ يعمل الإنسان كل شيء بطريقة متكلفة، مخططًا بمكرٍ ضد الغير؛ مثل هذا الإنسان يفقد براءته باعتزاله طريق الرب فيُدمر نفسه.
يقدم الحكيم سبعة أعمال تتسم بالخداع ، يمارسها الإنسان الأحمق.
"الرجل اللئيم، الرجل الأثيم،
يسعى باعوجاج الفم،
يغمز بعينيه،
يقول برجله،
يُشير بأصابعه.
في قلبه أكاذيب.
يخترع الشر في كل حين.
يزرع خصومات.
لأجل ذلك بغتة تُفاجئه بليته.
في لحظةٍ ينكسر ولا شفاء" [12-15].
جاءت كلمة" اللئيم" في العبرية لتعني حرفيًا "إنسان بليعال Man of Belial " ، أي الإنسان التافه، الذي لا يصلح في عمل شيء، لأن معاملاته مع الكلمات الكاذبة.
يتسم اللئيم بالصفات التالية:
ا. رجل أثيم: جاءت الكلمة العبرية لتعني إنسانًا مرتدًّا، منفصلاً عن الله ومقاومًا له. يستخدم فمه لكي ينحرف بالحق، سالكًا باعوجاج.
ب. يتحدث ليس فقط بلسانه، لكنه يُسخر إن أمكن كل أعضاء جسمه لتُعبِر عمَّا يحمله في داخله من اعوجاج، أو انحراف عن الحق. فمه ينطق باعوجاج، وعيناه تغمزان في سخرية، ورجلاه تتحركان لتتحدثا بما يتفق مع قلبه الفاسد، وأصابعه تُشير نحو ما يود أن يُحققه.
غالبًا ما تُستخدم الأرجل والأصابع في الشرق كوسيلة للتعبير عن أفكارٍ معينة خاصة في وجود أشخاص يريد الإنسان أن يخفي عنهم ما يحدث به غيره، فعوض الحديث باللسان يتحدث بحركات قدميه وأصابعه دون أن يدرك الحاضرون ما يعنيه الشخص. عُرف عن بعض التجار أيضًا أنهم إذ كانوا يدخلون في عقد صفقات في حضور آخرين يجلسون على الأرض ويضعون قطعة من القماش على الفخذين، ويعبّرون عما يتحدثون به خلال حركات أصابعهم. وبنفس الطريقة ينقل البراهمة الأسرار الدينية إلى تلاميذهم وهم يخفون أياديهم في ثنايا ثيابهم، بهذا يعلمون بأصابعهم. كان هذا الأمر معروفًا عند الرومان القدامى، وصفه الكتّاب الكلاسكيين.
يرى البعض أن سمعان بطرس لم يستطع أن يتحدث مع السيد المسيح متسائلاً عمن يسلمه، لذلك أومأ إليه متحدثًا معه بلغة الإشارات، إذ قيل: "فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذي قال عنه" (يو24:13).
اعتادت الفتيات الفاسدات والراقصات أن يستخدمن أقدامهن للتعبير عما يردن أن ينطقن به. يرى البعض أن سليمان الحكيم غالبًا ما قصد هؤلاء الفاسدات عندما تحدث عن الرجل اللئيم الأثيم[163].
ج. في قلبه أكاذيب: إن كانت أعضاء جسمه الظاهرة مُكرسة للشر، فإن سرّ ذلك هو القلب الذي يحمل أكاذيب عِوض الحق.
من يحمل السيد المسيح - الحق ذاته – في قلبه تتقدس كل أعضاء جسمه، ومن يحمل إبليس – الكذاب وأبو الكذابين - تُستخدم كل أعضاء الجسد لممارسة أعماله الشريرة وخداعاته.
V نقاوة القلب تعني نقاوة العين التي بها نعاين الله، ولا شك يزداد اهتمامنا بنقاوة القلب قدر ما يكون ما نراه بالقلب عظيمًا[164].
القديس أغسطينوس
V من أجل نقاوة القلب ينبغي أن نفعل كل شيء، ونصبر على كل شيء، ولا نتعلق بأقربائنا وأرضنا (ممتلكاتنا) وكرامتنا (الأرضية) وجاهنا ومباهج العالم وكل أنواع الملذات...
ينبغي أن نصنع كل شيء أو نبحث عن أي شيء من أجل نقاوة القلب. فمن أجلها نطلب التوحد... ومن أجلها نصوم ونسهر ونحتمل الأتعاب والعري والدراسة ونقتني كل الفضائل الأخرى، لكي ما نهيئ قلوبنا ونحفظها من كل السموم الشريرة، وبهذا نصعد إلى كمال المحبة...
فالأمور التي تأتي في المرتبة الثانية في أهميتها كالصوم والسهر والزهد في العالم والتأمل في الكتاب المقدس، هذه يلزمنا أن نفعلها ناظرين إلى الهدف الرئيسي وهو "نقاوة القلب" التي هي "المحبة". فعلينا ألا نفقد هذه الفضيلة الرئيسية بسبب تحقيق فضيلة أخرى.
فإذا لم ننفذ إحدى هذه الفضائل الأخرى لسبب قهري لا يصيبنا أذى، طالما وجدت الفضيلة الرئيسية. فلا يسوغ لنا أن ننفذ عملاً يكون من شأنه أن نفقد هذا الهدف موضوع حديثنا، بل نجاهد من أجله مهما كلفنا الأمر[165].
الأب موسى
د. يخترع الشر بلا انقطاع: فلا ينخدع من إبليس فحسب، وإنما يحمل سمته، فيحث كل من حوله لممارسة أعمال إبليس. ينشغل نهاره وليله، حتى في أحلامه، على ممارسة أعمال أبيه، إبليس.
هـ. يزرع خصومات: يقول الأب غريغوريوس (الكبير) عمَّا يجب أن نقدمه من توجيهات لزارعي الخصومات:
[يوجد اختلاف بين ما يُقدم من نصائح لزارعي الخصومات ولصانعي السلام. فيُنصح زارعو الخصومات أن يُدركوا من هو هذا الذي يتبعونه. قيل عن الزوان الذي زُرع وسط الحنطة الصالحة بأن عدوًا فعل هذا (مت28:13)، أي أنه ملاك لئيم... كما يقول سليمان الحكيم، انه شخص لئيم، إنسان بلا نفع، يسير بفم معوج، ويغمز بعينيه، ويضرب بقدميه، ويتكلم بأصبعه، ويخترع شرورًا بلا انقطاع بقلبٍ فيه أكاذيب، ويزرع خصومات.
نعم ذاك الذي يُريد أن يتحدث عنه هو زارع خصومات. يُدعى أولاً لئيمًا، حيث أنه على منوال الملاك المتكبر، يسقط أولاً في داخله بانحراف فكره عن وجه خالقه، بعد ذلك يزرع الخصومات في الخارج. بحق وصفه أيضًا أنه يغمز بعينيه ويتكلم بأصبعه ويضرب بقدميه. فإن سهر الإنسان الداخلي يحفظ أعضاءه الخارجية مضبوطة في نظامها. فمن يفقد ثبات فكره يسقط أيضًا في الخارج في حركات غير رزينة، وبحركاته الخارجية يظهر أنه لا يحمل جذورًا مستقرة في الداخل. يسمع زارعو الخصومات ما هو مكتوب: "طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون" (مت9:5). ومن الجانب الآخر ليُدرك هؤلاء أنه إن كان صانعوا السلام يُدعون أولاد الله، فإن من يُقاومون ذلك (زارعين خصومات) يُدعون حتمًا أبناء إبليس[166].]
حقًا إن الإنسان اللئيم أو المُخادع يزرع الخصومات حتى بين الزوجين، ليُحطم روح الحب والوحدة.
أما نهاية الإنسان اللئيم فهي السقوط في بلايا مفاجئة، ينكسر وليس من شفاءٍ لكسره.
لعلَّه يُشير هنا إلى الإنسان المخادع الذي يصير مخدوعًا، خاصة من خطية الزنا، فيتعرض فجأة للرجم - حسب الشريعة الموسوية - وتنكسر عظامه، وليس من يشفي كسرها، أو من يترفق به وهو في الحفرة تنهال على جسده الحجارة من كثيرين.
4. سبعة أمورٍ مكرهة للرب
تصف العبارات التالية "إنسان بليعال"، وتطابق ما سبق فأعلنه في الآيات 15-12، مؤكدًا أن أخطر الخطايا هي زرع الخصومات بين الأخوة.
"هذه الستة يبغضها الرب، وسبعة هي مكرهة نفسه.
عيون متعالية،
لسان كاذب،
أيد سافكة دمًا بريئًا.
قلب يُنشئ أفكارًا رديئة،
أرجل سريعة الجريان إلى السوء،
شاهد زور تفوه بالأكاذيب،
وزارع خصومات بين اخوة" [16-19].
يتساءل البعض: "إن كان الله محبة، فهل يحمل بغضًا أو كراهية؟" هو حب ، وبحبه يبغض البغض والكراهية، ولا يقبل الشر. ففي سفر الجامعة يوصينا: "للحب وقت وللبغضة وقت" (جا8:3). وفي سفر التثنية قيل: "ولا تقم لك نصبّا. الشيء الذي يبغضه الرب إلهك" (تث22:16). وفي المزامير: "أحببت البرّ وأبغضت الإثم" (مز7:45)، وفي سفر الرؤيا: "ولكن عندك هذا أنك تبغض أعمال النقولاويين التي أبغضها أنا أيضًا" (رؤ6:2). يشبّه البعض أبوة الله المملوءة حبًا بأبٍ يحب طفله الصغير، لكنه إذ يرى حية سامة تود أن تقتله يبغضها ويقتلها. هكذا الله في حبه لنا يبغض الخطية التي تبث سمومها فينا.
يٌقدم لنا الحكيم قائمة بالأمور التي يبغضها الرب. وهي خطايا تسبب بالأكثر أضرارًا للحياة البشرية، وكأن من يُؤذي أخاه إنما يُسيء إلى الله نفسه الذي يشتهي راحة البشر ويطلب سلامهم ونموهم.
لنتطلع إلى هذه القائمة لا لندين الآخرين، وإنما لنكتشف أخطاءنا نحن فنتوب عنها بروح الاتضاع مع الصلاة والطلبة وتجنب كل باب للشر.
هذه الخطايا هي:
ا. العيون المتعالية: إنها عيون المتكبرين، إذ يتشامخ الإنسان على اخوته عِوض أن يتطلع إليهم بنظرات العطف والحنو والشوق إلى العطاء. هذه هي أول الأمور التي يبغضها الله، وقد سقط الشيطان في هذه الخطية (إش13:14،14). وهو لا يكف عن أن يحث كل إنسانٍ لكي يدعي الألوهية ولا يتكل على الله، ظانًا أنه غير محتاج إليه. لهذا يقول الرب لأيوب: "أنظر إلى كل متعظم وذلّلهُ، ودُس الأشرار في مكانهم" (أي12:40). ويصرخ داود النبي: "يا رب لم يرتفع قلبي، ولم تستعل عيناي، ولم أسلك في العظائم التي هي أعلى مني" (مز1:131). ويقول الله في إشعياء: "إلى هذا أنظر، إلى المسكين والمنسحق الروح والمرتعد من كلامي" (إش2:66).
V لا يوجد خطأ ما يحطم كل الفضائل ويسلبها، ويعري الإنسان من كل برّ وقداسة، مثل شر الكبرياء، الذي يشبه وباءً خطيرًا يهاجم الإنسان بكليته، ولا يقتنع بإتلاف جزء منه أو عضوٍ واحدٍ، إنما يتلف الجسم كله بتأثيره المميت. يجتهد الكبرياء أن يطرح الإنسان بسقوط مهلك، ويحطم في الحال الذين وصلوا إلى قمة الفضائل.
بالنسبة لأي خطأ آخر يكتفي أن يسبب في الداخل جرحًا في حدودٍ معينة، فإن كان يقاوم بعض الفضائل، لكنه يتجه أساسًا ضد فضيلة واحدة فقط ويهاجمها بصفة خاصة.
لكي أوضح قصدي فإن الشراهة وشهوات البطن والأطباق الشهية (اللذيذة) تحطم فضيلة العفة (ضبط النفس). والجشع والطمع يشينا أو يعيبا الطهارة أو النقاوة. والغضب يقضي على الصبر. لذلك فالإنسان الذي يكون مستعبدًا لإحدى هذه الخطايا تنقصه بعض الفضائل... فالشخص ببساطة يُحرم من واحدة من الفضائل عندما يذعن أو يخضع للرذيلة (أو الإثم) التي تقاومه بإغراءاتها، لكنه يستطيع الحفاظ على فضائله الأخرى. لكن عندما تملك هذه الرذيلة مرة على نفسٍ بائسة، فإنها تشبه بعض الوحوش المفترسة (الكاسرة) التي تهدم القلعة السامية للفضيلة، وتحطم المدينة بالكلية وتهدمها، فتقوم الرذائل على هدم حصون القداسة وإرباكها معًا.
إن نير العبودية للكبرياء قاسٍ ومؤلم، وبواسطة قساوته الممزِقة يجرد النفس ويقهر كل قوة للفضيلة[167].
القديس يوحنا كاسيان
ب. اللسان الكاذب: لا يقدر أن ينطق بالحق، ولا يحمل لطفًا ورقةُ صادقة نحو الاخوة. هذا هو الأمر الثاني الذي يبغضه الرب. والكذب من سمة عدو الخير إبليس الذي يتسم بالكذب مع الكبرياء،عمله بث هذا الروح بين كل البشر، حتى أن داود النبي صرخ قائلاً: "في حيرتي قلت أن كل الناس كاذبون" (مز11:116)، كما يصرخ قائلاً : "يا رب خلص نفسي من الشفاه الكاذبة واللسان الغاش" (مز2:120).
ج. أيد سافكة دمًا بريئًا: أيضًا يحمل الإنسان روح الغدر والخيانة كيهوذا الخائن. هذا هو الأمر الثالث الذي يبغضه الله، ألا وهو العنف والظلم، وقد دُعي عدو الخير قتالاً منذ البدء.
د. قلب يخترع تخيلات شريرة: الأمر الرابع الذي يبغضه الله هو أفكار الشر التي تصدر عن القلب المتدنس. فإنه يضع أساسات باطلة لتخيلات غير صادقة ويبني عليها الكثير، مُقيمًا بناءً من الأكاذيب يُشوه بها صورة اخوته، ويدفع بهم إلى الظلم.
هـ. أرجل مسرعة الجريان إلى السوء تُعين الإنسان على ارتكاب الإثم بُغية الطمع. إذ يفسد القلب يسحب الجسم كله نحو الشر، وتسرع القدمان نحو ممارسته. وكما يقول إشعياء النبي: "أرجلهم إلى الشر تجري، وتسرع إلى سفك الدماء المزكي، أفكارهم أفكار إثمٍ، في طرقهم اغتصاب وسحق؛ طريق السلام لم يعرفوه، وليس في مسالكهم عدل. جعلوا لأنفسهم سبلاً معوجة، كل من يسير فيها لا يعرف سلامًا" (إش7:59،8).
و. شاهد زور ينطق بالأكاذيب تسبب ظلمًا يَسقط على الأبرياء. للأسف هذه الخطية التي يبغضها الله صارت شائعة اليوم، فما أسهل أن يستأجر أحد شاهد زور ينطق بالكذب.
ز. زارع خصومات بين الاخوة سواء على مستوى الفرد أو الأُسر أو المجتمعات، وأحيانًا بين الدول. إن كان صانعو السلام يُدعون أولاد الله (مت9:5)، فزارعو الخصومات يُدعون أولاد إبليس.
هذه الخطايا السبع التي يبغضها الله أشبه بمرآة ، يتطلع إليها الإنسان فيكتشف ضعفه، عندئذ يسرع نحو الله معترفًا بخطاياه، سائلاً إياه أن يطهره.
5. الحاجة إلى التعلم
تسند الوصية الإلهية المؤمن كي لا يسقط في الخطايا السابقة، لذا يجب عليه أن يحفظ هذه الوصية التي يعلمها إياه والده، ويخزنها في أعماق قلبه ويربطها بكل كيانه. وكما جاء في سفر التثنية:
"لتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك، وقصها على أولادك، وتكلم بها حين تجلس في بيتك، وحين تمشي في الطريق، وحين تنام، وحين تقوم، واربطها علامة على يدك، ولتكن عصائب بين عينيك، وأكتبها على قوائم بيتك وعلى أبوابك" (تث6:6-9؛ راجع تث18:11-20).
"يا ابني احفظ وصايا أبيك،
ولا تترك شريعة أمك.
اربطها على قلبك دائمًا.
قلِّد بها عُنقك.
إذا ذهبت تهديك،
إذا نمتَ تحرسك،
وإذا استيقظت فهي تُحدثك" [20-22].
لا يتوقف الحكيم عن تذكير تلميذه أن يسمع وصايا أبيه ويتمسك بشريعة أمه (8:1)، حيث يقدمان له كلمة الله أو الوصية الإلهية.
ماذا تقدم له الوصية؟
أ. الشبع الداخلي: يربطها دائمًا على قلبه، فتُشبع كل عواطفه وأحاسيسه، ولا يعاني من الفراغ الداخلي.
ب. الكرامة الحقة: إنها كرامة ومجد له، يُطوِّق بها عنقه علامة ملوكيته وبنوته لله أبيه السماوي. ويكتبها على لوحي قلبه أو يربطها به، فتضبط مركز حبه وعواطفه وأحاسيسه، وتصدر كل أفكاره وكلماته وتصرفاته متناغمة مع الوصية الإلهية.
ج. هدية إلهية: هنا يُشخْصِن الشريعة أو الوصية، حيث يُقدمها كمعلمٍ أو مدربٍ للنفس وحارسٍ لها وصديق، تلازمه الوصية في سيره في طريق الحياة، وتحرسه في نومه، وتحاوره بالحب، فلا يشعر بالعزلة أو الفراغ.
د. حراسة سمائية: لن يذهب المؤمن الحقيقي إلى موضع دون أن يطلب قيادة الوصية الإلهية. ولن يُعطي لعينيه نومًا ما لم يستظل تحت جناحيها. وعندما يستيقظ يدخل معها في حديث حبٍ، خلال الصلاة ودراسة الكتاب المقدس، فيمتلئ كيانه فرحًا وشبعًا. إنه يُعطي بكر يومه - الصباح المبكر - لله، حيث يلتقي معه متحدثاً كابن مع أبيه، ويتمسك بالوعود الإلهية ليتذرع بمراحمه السماوية.
هـ. استنارة داخلية:
"لأن الوصية مصباح،
والشريعة نور،
وتوبيخات الأدب طريق الحياة" [23].
تُنير الوصية أعماقنا فنرى حقيقة أنفسنا، وندرك عوزنا الدائم إلى المخلص. نكتشف أيضًا عمل الثالوث القدوس فينا فنمتلئ رجاءً، كما تنفتح أعيننا على معرفة الإرادة الإلهية وإدراك الأسرار الإلهية. بهذا نتقبل كل تأديب من قبل الرب، ونحسبه نافعًا لأعماقنا، حيث يسحبنا من ملذات الخطايا وإغراءاتها لنسلك طريق الحياة الأبدي، تسحبنا من خداعات الشرير لنقبل الحق الإلهي والطهارة.
6. تحذير من الشريرات
يعود إلى خطية الزنا التي كثيرًا ما تحدث عنها سليمان الحكيم، والتي يدعوها البعض" خطية العصر". والعجيب أن كثيرين يشربون هذه الخطية كالماء، ويحسبونها نوعًا من الحب!
كم من زيجات بين الأحداث أو الكبار قد حطمها طرف ثالث، رجل أو امرأة، دخل ليُفقد الزوجين وحدتهما.
"لحفظك من المرأة الشريرة،
من ملق لسان الأجنبية" [24].
بإدراكنا لحكمة الله وقبولنا تأديباته نُحفظ من لسان المرأة الزانية المعسول والمخادع لنقبل كلمات الله الحازمة والمملوءة بالحق.
تحمل كلمات المرأة الشريرة شهوات ممتزجة سُمًا، أما كلمات الرب فهي الحب المملوء حياة أبدية. لهذا نستمع إلى لسان الرب لا لسان الشريرات.
"لا تشتهين جمالها بقلبك،
ولا تأخذك بهُدبها" [25].
يُقدم لنا سليمان الحكيم خبراته المرة، حيث سقط في حبائل جمال النساء، فانحرف إلى عبادة الأوثان، وشاركهن رجاساتهن.
اهتمام النساء بتجميل عيونهم وأهداب أجفانهن حتى تبدو العيون متسعة وجذَّابة أمر قديم في الشرق.
ليس جمال المرأة ولا اهتمامها بمظهرها هو سرّ سقوط الإنسان، إنما انحراف القلب. بهذا يقول الحكيم: "فوق كل تحفظ احفظ قلبك، لأن منه مخارج الحياة" (أم23:4). فالخطية تبدأ بالقلب، لهذا يحذرنا: "لا تشتهين جمالها بقلبك".
V لا تدع شهوة الجمال تغلبك. فإن الكثير من الشباك والفخاخ منصوبة بواسطة الشيطان. التطلع إلى زانية هو فخ منصوب لمن يحبها. (فساد) عيوننا هي شِباك تُنصب لنا، كما هو مكتوب: "لا تُؤخذ بعينيك". لهذا نحن ننصب الشباك لأنفسنا، فنسقط فيها ونتعرقل. إننا نربط أنفسنا بقيود كما هو مكتوب: "لأن كل واحد يُربط بقيود (حبال) خطاياه"[168].
القديس أمبروسيوس
كتب الطوباوي اكليمنضس السكندري في مقاله "عن العذارى":
V لهذا لا نسمح لأي إنسان أيًّا كان أن يجلس (لفترات طويلة) مع امرأة متزوجة، وبالأكثر ألا يعيش في بيتٍ واحدٍ مع فتاة قدمت حياتها نذرًا، ولا أن ينام حيث تنام هي، ولا يكون مرافقًا على الدوام معها. فإن هذا أمر يكرهه خائفو الرب ويبغضونه[169].
القديس اكليمنضس الروماني
"لأنه بسبب امرأة زانية يفتقر المرء إلى رغيف خبز،
وامرأة رجل آخر تقتنص النفس الكريمة" [26].
جاء في الترجمة السبعينية والفولجاتا والسريانية: "لأن أجرة المرأة الزانية هو رغيف خبز واحد". وكأن الرجل يستأجر المرأة الزانية بثمن بخسٍ وهو رغيف خبز، لكنه لا يُدرك أنها تسحب ثمنًا آخر هو نفسه الثمينة. يظن الإنسان أن الخطية رخيصة جدًا لا تُكلفه شيئًا بينما يفقد حياته الداخلية وخلاصه الأبدي.
"أيأخذ إنسان نارًا في حضنه ولا تحترق ثيابه؟!
"أو يمشي إنسان على جمر ولا تكتوي رجلاه؟!
هكذا من يدخل على امرأة صاحبه.
كل من يمسها لا يكون بريئًا" [27-29].
التهاون مع خطية الزنا هو لعب بالنار، فإن شهوته تلتهب نارًا تحرق ثيابه فيصير عاريًا في خزي، وتكوي رجليه فيذوق المرارة ولا يقدر أن يكمل رحلة حياته كما يليق به، وتحرق أيضًا كل شوق للطهارة، فلا يصير بريئًا في أعين الله والناس.
V لنهرب من (نار الشهوة هذه) بالرغم من أنها تتبعنا، ليس فقط تجري خلفنا، بل وفي داخلنا. لنحذر بكل اجتهاد لئلا ونحن نهرب منها نحملها في داخلنا. فإننا نود بالأكثر أن نهرب فقط، لكن إن لم نُلقٍ بها تمامًا خارج أذهاننا نكون بالأحرى قد أمسكنا بها ولم نتركها.
لنقفز ونعبر منها لئلا يُقال لنا :"اسلكوا في لهيب ناركم التي أوقدتموها" (إش11:50). لأنه كما أن من يأخذ نارًا في حضنه يَحرق ملابسه، هكذا من يسير على جمرٍ متقدٍ بالضرورة تكتوي قدماه، كما هو مكتوب: "أيمشي إنسان على الجمر ولا تكتوي رجلاه؟!" [28][170].
القديس أمبروسيوس
V الشهوة الشريرة تشبه لهيبًا ونارًا. هل تحرق النار ثوبًا ولا تحرق شهوة الزنا النفس؟![171]
القديس أغسطينوس
V إن سقطت العين على شخص فعلى الأقل لا تدع العاطفة الداخلية أن تتبعها. فإن النظر ليس خطية، لكن يجب أن يكون الإنسان حذرًا ألا تكون مصدر خطية.
لتنظر العين الجسدية، ولتُغلق عين القلب، وليبقى اتضاع الذهن.
لنا رب حازم ومتسامح... يقول الرب: "كل من نظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه" (مت28:5). إنه لم يقل: "كل من نظر يرتكب زنا"، بل "من نظر ليشتهيها". إنه يدين الشهوة الداخلية لا النظرة[172].
القديس أمبروسيوس
V لكي لا تقول: أيّ ضرر في العينين حيث ليس بالضرورة تكون النظرة مفسدة؟! إنه يظهر لكي أن الشهوة هي نار وأن الجسد يشبه ثوبًا. يُمكن للأخير أن يكون فريسة سهلة فالشهوة طاغية. لا يحدث الضرر في الداخل فحسب بل يمتد وينطلق حتى يجد له منفذًا في الخارج. لأن من ينظر إلى امرأة وإن كان يهرب من التجربة، لكنه لا يكون طاهرًا من الشهوة تمامًا.
ولماذا يبقى الإنسان في تعب مادام في قدرته أن يتحاشاه ويتحرر منه؟ انظر ماذا يقول أيوب: "قطعت عهدًا مع عيني ألا أفكر في زوجة آخر". هكذا يعرف خطورة الإفساد. وأيضًا لنفس السبب أقمَع بولس جسده واستعبده. وبطريقة رمزية من يسمح لفكر غير نقي أن يسكن في قلبه إنما يحتفظ بنار في صدره. ومن يُمارس الخطية بالعمل يسير على جمر ويهلك نفسه[173].
القديس هيبوليتس
إن كان السارق لا يستطيع أن يبرر نفسه أمام القانون حتى إن سرق ليأكل لأنه جائع، فأيّ عذر للزاني الذي يرتكب الخطية فيهلك نفسه؟!
"لا يستخفون بالسارق ولو سرق ليشبع نفسه وهو جوعان.
إن وُجد يرُد سبعة أضعاف ويُعطي كل قنية بيته.
أما الزاني بامرأة فعديم العقل.
المهلك نفسه هو يفعله.
ضربًا وخزيًا يجد، وعاره لا يُمحى" [30-33].
يشفق الناس على الفقير الذي يسرق لكي يأكل، لكن القانون لا يُبرئه، بل يُلزمه برد سبعة أضعاف ما سرقه، وإن لم يكن لديه ما يوفي يُباع كعبدِ (خر1:22-4؛ لا39:25).
V اللص عاصٍ خطير، لكن الزاني أخطر منه. لأن الأول لسبب مؤسف يسلك هكذا، لكن في نفس الوقت العوز يلزمه بذلك، أما الأخير فلا توجد ضرورة تلزمه إنما جنونه يجعله يندفع إلى هوة الإثم[174].
القديس يوحنا الذهبي الفم
من يرتكب الزنا مع سيدة متزوجة لا يتعرض للخزي فحسب بل وإلى الموت [33]. فعند الرومان إن أُمسك إنسان يرتكب هذا الفعل فمن حق الزوج أن يتمسك بالقانون ويقتله، فيكون الزاني في عارٍ ويفقد حياته.
7. الغيرة
"لأن الغيرة هي حميَّة الرجل فلا يُشفق في يوم الانتقام.
لا ينظر إلى فدية ما،
ولا يرضى ولو أكثرت الرشوة" [24-25].
يتحدث هنا عن غيرة الزوج الذي اغتصب الزاني امرأته، فإنه ينتقم لكرامته وشرفه، ولا يطلب فدية مهما بلغ قدرها بل يطلب قتل الزاني.


من وحي أمثال 6
لأعمل بروح الحكمة والحب،
فأحيا ملتزمًا بمسئولياتي!
V لأتمتع بك يا حكمة الله،
فالتزم بروح المسئولية الجادة.
لا يحركني روح الكبرياء،
ولا يحطمني روح اليأس.
لأحب وأعمل،
لكن بروح الحكمة العاملة،
لا بروح الكلمات الجوفاء!
V أنت العامل مع أبيك،
هب لي بركة العمل.
كان يليق بي أن أكون عاملاً على الدوام،
متشبها بك يا من تجول تصنع خيرًا.
لكن في غباوتي تراضيت وتكاسلت.
فصارت النملة الصغيرة معلمة توبخني!
لأعمل مثلها بروح الجماعة بلا أنانية.
لأعمل فأجمع ما احتاج إليه،
وأحمله معي إلى أبديتي.
لأعمل بروح الحب فهو رصيدي الدائم.
V لأعمل بنقاوة قلب،
أسلك بالحب بلا لؤمٍ أو خداعٍ.
كل كياني الداخلي وأعضاء جسمي تتحرك بالحب.
تعمل للسلام، ولا تطيق الخصومات.
V قدس كل حركات جسمي،
هب لي عينين حمامتين،
ولسانًا ينطق بالحق،
ويدين تسرعان في عمل الخير،
ورجلين تسلكان الطريق الملوكي،
وقلبًا يفيض بأفكارٍ إلهيةٍ!
V هب لي أن أهرب من الشر.
لأهرب من نار الخطية،
فلا تحرق ثوب عرسي الأبدي،
ولا تكوي قدماي!
لتملأ قلبي بالروح الناري،
فيلتهب بنيران الحب،
ولا تقدر نيران الخطية أن تقترب إليّ.
<<

الأصحاح السابع


اهرب من الزانية
تحدث في الأصحاح السابق عن السبع خطايا التي يبغضها الرب، ثم عاد ليتحدث عن خطية الزنا. وفي هذا الأصحاح يكمل حديثه عن هذه الخطية التي تنصب شباكها لتصطاد الشاب، تصوب سهمًا نحو كبده، وتخفي له فخًا لكي تصطاده فتلهو به وتذله.
الآن قبل الحديث عن سقوط شاب في شباك زانية متزوجة يحثنا سليمان الحكيم على التمسك بالوصايا الحكيمة والاهتمام بها كحدقة العين، حيث بها نرى الحق ونتمتع به، فنحمل قوة للهروب من طريق الزانية.
يكشف الحكيم عن طرق الزانية وسلوكها مقدِمًا صورة حيّة لتصرفاتها، حتى يمكن للشاب أن يفلت من شباكها. فإن اختار بمحض إرادته أن يتبعها ويستجيب لخداعها، يتحمل المسئولية كاملة أمام الله وأمام نفسه.
مفتاح هذا الأصحاح هو القول: "لا يدري أنه لنفسه" [23]، بمعنى أن الإنسان ينجذب إلى الشر وهو لا يدري أنه يدفع نفسه ثمنًا له .
1. حث على حفظ الوصية1-5.
2. تحذير من حيل الزانية6-20.
3. غباوة الساقط في شباكها 21-23.
4. قتلاها أقوياء24-27.
1. الحث على حفظ الوصية
يدعونا سليمان الحكيم كعادته أن ننصت إلى صوت الوصية وأن نركز عليها، فالوصية الإلهية المقدمة لنا من آبائنا ومرشدينا هي أثمن من كل كنوز الأرض. أما بركاتها فهي الآتي:
أولاً: مصدر حياة
"يا ابني احفظ كلامي،
وأذخر وصاياي عندك."
بقوله:" احفظأذخر وصاياي" يؤكد أنه يلزمنا أن ننشغل بالكتاب المقدس، لا ليُقرأ بسرعة، بل ليُخزن في أعماق القلب، فتصير كلمة الله غذاءً يوميًا للنفس، وتصبح جزءً لا يتجزأ من حياتنا.
"احفظ وصاياي فتحيا" [1،2].
الوصايا الإلهية روح وحياة (يو23:6)، تقيم النفس من الموت لتهبها الحياة الجديدة في المسيح يسوع. تحول الإنسان الجسداني إلى روحاني، لينعم بالجسد الروحاني عوض الحيواني (1كو14:2) ويدخل إلى ملكوت الله الذي لا يرثه لحم ودم (1كو50:15). هذا يتحقق بالوصية التي تقدم له شخص "الكلمة الإلهي". فالوصية ليست أمرًا لسلوكٍ أخلاقيٍ ممتاز أو نهيًا عن الرذيلة فحسب، لكنها لقاء حيّ مع شخص السيد المسيح، كلمة الله، القائل: "أنا هو الحياة"، و"أنا هو القيامة". بدونه تبقى النفس في قبر الخطية تحمل رائحة الفساد، حتى تسمع الصوت الإلهي: "لعازر هلم خارجًا"، ويأمر الرب تلاميذه (كهنته) أن يحلّوا رباطاتها، فتتمتع النفس بالحياة الجديدة.
إذ نفتح باب القلب للسيد المسيح، كلمة الله واهب الحياة، يسكن فينا، فتهرب الخطية ولا تستطيع البقاء.
الوصية الإنجيلية هي محور حياة كل مسيحي، لهذا عندما تحدث القديس يوحنا كاسيان في كتابة "المؤسسات" عن الحياة الرهبانية في مصر، كحياة مسيحية مثالية، دعا الرهبنة حياة إنجيلية أو مسيحية تدور حول إنجيل السيد المسيح.
يقول الأسقف أغناطيوس بريانشانينوف: [الرهبان القديسون القدامى يدعون الحياة الرهبانية حياة حسب وصايا الإنجيل. يعرف القديس يوحنا الدرجي الراهب هكذا: "الراهب هو ذاك الذي تقوده وصايا الله وحدها، كلمة الله، في كل وقت، وفي كل موضع، وفي كل أمر[175]". الرهبان الخاضعون للقديس باخوميوس الكبير التزموا بحفظ الإنجيل عن ظهر قلب، لكي تكون دومًا أمام عيني الذهن وتُطبع على النفس لكي تتممها بسهولة ونجاح. قال الطوباوي الشيخ صيرافيم: "يلزمنا هكذا أن ندرب أنفسنا أن يسبح ذهننا في شريعة الرب التي تكون قائدًا لحياتنا وضابطًا لها"... الروح القدس يعلم ويقود خدام الله الحقيقيين الذين صاروا له[176]].
ثانيًا: مصدر النور والبصيرة الروحية
"احفظ... شريعتي كحدقة عينك" [2].
إنها البصيرة الداخلية، بها نتطلع لنرى الله في مجده، وندرك السماء بكل طغماتها، وتكون لنا نظرة سليمة نحو البشرية وكل الخليقة كما نحو الجسد والحياة الزمنية. إن تحطمت الوصية نبقى في ظلمة ونفقد الرؤية. إن كانت العين ثمينة جدًا في حياة الإنسان، فإن حدقتها هي أثمن ما يعتز به الإنسان، جاءت كلمة "حدقة" في العبرية لتعني إنسانًا مصغرًا جدًا "mini man"[177]. فيكون النص: "شريعتي كرجلٍ صغير في عينك"[178].عندما يقترب الإنسان ليتطلع في عيني شخص يرى صورته منطبعة عليها. هنا ينصح الوالد ابنه أن يقترب جدًا من الوصية لتنطبع صورة الوصية على عينيه، وتتجلى الوصية فيهما، فيرى كل شيء من خلال الوصية. وقد استخدم نفس التعبير في (تث10:32،مز8:17).
ويرى العلامة أوريجينوس في مناجاة السيد المسيح للنفس المقدسة عروسه: "عيناك حمامتان" (نش2:4) إشارة إلى اقترابها والتصاقها بالروح القدس، فتظهر صورته منطبعة على حدقتي العينين، لترى كل شيء خلال الروح القدس.
بخصوص هذا التعبير قيل: "مقلة العين، وفي وسطها الحدقة، وقد دعيت apple (تفاحة) لأن شكلها دائري. بسبب قيمتها العظيمة ولأجل الحفاظ الشديد عليها يُغلق الجفنان المحيطان بها تلقائيًا عندما يوجد أقل احتمال للخطر، لذلك صارت رمزًا لما هو ثمين جدًا وفي حرصٍ يجب الحفاظ عليها[179]. هكذا يليق بنا أن نهتم بالوصية ونحوط بها بكل كياننا حتى لا نكسرها فنتعرض للعمى الروحي. إنها تبدو صغيرة جدًا كحدقة العين لكنها ثمينة للغاية بدونها لا نرى أبواب السماء المفتوحة، وفي نفس الوقت يمكن أن يصيبها أضرار بالغة بسهولة.
ثالثًا: سند للعبادة والعمل
"اربطها على أصابعك" [3]
بهذا كلما رفعت ذراعيك للصلاة تتحدث مع الله خلال وصيته المملوءة بالوعود الإلهية. وإن مددت يديك للعمل تمارس كل شيء من خلالها فيكون عملك مقدسًا. تُربط الوصية حول العنق إشارة إلى سمة الملوكية والكرامة الفائقة التي ننالها خلالها، وتُربط على الأصابع لتسندنا في صلواتنا وسلوكنا العملي.
اعتاد بعض اليهود أن يضعوا بعض نصوص الكتاب المقدس في حافظة من الجلد ويربطونها على جبهتهم أو على أذرعهم أثناء الصلاة. وكانت الحافظة الجلدية تُربط حول الذراع الأيسر بسبعة أربطة، ثم يلف الرباط سبع مرات حول الإصبع الذي في الوسط[180].
ويرى البعض أن ربطها على الأصابع يتحقق بطرق كثيرة، منها نقشها على الخواتم. فكان الملوك والعظماء ينقشون أسماءهم على الخواتم، ومتى وثق الملك في شخصٍ يسلمه خاتمه ليختم به كل أمر ملكي. هكذا عوضًا عن أسمائنا ننقش وصية الله على الأصابع لنختم على أفكارنا وكلماتنا وأعمالنا وصلواتنا بختم الوصية، فتحمل قوة سمائية.
رابعًا: حفظ المشاعر والأحاسيس
"اكتبها على لوح قلبك" [4]
لا يكفي ربط الوصية بالذراع والأصبع إنما يجب ربطها بالقلب. تقيم ملكوت الله في داخلك، فتحفظ وتقدس كل عاطفةٍ وشعورٍ وإحساسٍ، وتصدر كل أعمالك عن قلبٍ نقي وأمين لله. هكذا ترتبط الوصية بكل كياننا الداخلي ولا تكون مجرد زينة خارجية نعتز بها أمام الناس.
خامسًا: دخول في علاقة قربى
"قل للحكمة أنتِ أختي،
وادع الفهم ذا قرابة" [4].
إن كان سفر الأمثال يهتم بسلوك المؤمن اللائق والحكيم في كل جوانب حياته، إلا أنه عبر سطوره يدخل بالمؤمن إلى اللقاء مع "حكمة الله المتجسد"، لكي تقبل النفس الاتحاد به فتشاركه طبيعته، وتمارس الحياة الجديدة المقامة. إنها تنشغل بالعريس الساكن في أعماقها وتناجيه بروح الحب والفرح. بهذا يتغير سلوكها ليس في ظاهره، وإنما في جذوره الدفينة.
بالحكمة نتأهل للانتماء للعائلة السماوية، فنحسب مسيحنا الأخ البكر وهو الخالق والمخلص والرب القدير والحكيم. إذ تنادي النفس الحكمة: "يا أختي، يا قريبتي"، إنما تحمل نوعًا من الاحترام للحكمة مع القرب الشديد لها، فتدخل معها في قرابة شبه "قرابة الدم"، ويصير لها دالة خاصة لديها.
دعوة الحكمة: "يا أختي" تشير إلى اتحاد زيجي، فتستخدم كلمة الأخ أو الأخت أحيانًا للزوج أو الزوجة (تك2:20،12؛ 7:26؛ نش9:4،10،12؛ 1:5،2). فإن كان الزنا يتقدم للإنسان كامرأة تود أن تتحد معه لتشبع شهواته الجسدية، فالحكمة يتقدم بالحق كعريس للنفس يتحد بها أبديًا، ليشبع كل احتياجاتها على مستوى سماوي مفرح، فلا يعتاز المؤمن إلى شيء! إذ جاء الحكمة متجسدًا اجتمع حوله كثير من الزناة والعشارين الذين وجدوا بحق ما يشبع أعماقهم الداخلية، فتركوا الفساد ليس تغصبًا، ولا في كبتٍ، وإنما بفرح حقيقي لا يُعبر عنه!
شخصية الحكمة هنا لها أهميتها، إذ تمهد للإصحاحين 8،9 حيث يتقدم الحكمة ككائن يدعونا لوليمته الخاصة، التي هي وليمة العرس الأبدي.
سادسًا: تحفظ من خداع الشر
"لتحفظك من المرأة الأجنبية،
من الغريبة الملقة بكلامها" [5].
بعد أن قدم الوصية في عملها الإيجابي حيث تهب النفس الحياة والاستنارة والعبادة الحقَّة والعمل المقدس، وتحفظ المشاعر والأحاسيس وتقدسها، كما تدخل بنا إلى الانتساب إلى السماء، فإنه من الجانب السلبي تحفظنا من خداعات العدو الشرير خاصة خلال كلمات الزانية الملقة. إنها وحدها تقدر أن تحمينا من عار العلاقات الدنسة مع امرأة غريبة شريرة. فإنه لن يحفظها من غباء الزانية إلا السيدة (الحكمة).
2. تحذير من حيل الزانية
إذ ذاق سليمان الحكيم مرارة الزواج بالوثنيات، وزلت قدماه في عبادة آلهتهن الوثنية، لهذا انشغل في هذا السفر بالزوجة الصالحة، فقد ختمه بأروع أنشودة يمتدح فيها الزوجة الصالحة. ولكي يكشف عن أهميتها تحدث في صُلب السفر عن ثلاثة أنواع من الزوجات الشريرات لكي يهيئ لهذه الأنشودة بتقديم السلبيات أولاً. هذه الأنواع الثلاثة المضادة للزوجة الصالحة هي:
V المرأة الزانية الخائنة (16:2-17؛ 5:7، 10-11؛ 14:22؛ 20:30).
V المرأة المخاصمة والحردة (9:21،19؛ 24:25؛ 15:27).
V المرأة الجميلة الشكل بلا حكمة أو تمييز (22:11).
يقدم لنا سليمان الحكيم قصة مأساوية فيها يُعلن عن دور المرأة الزانية وهي تقتنص في فخها شابًا غبيًا. في هذه القصة يظهر الحكيم نفسه كشاهد عيان لحدث شاهده من خلال نافذة بيته، إذ رأى شابًا غبيًا عديم الفهم تصطاده سيدة متزوجة وتغويه على ارتكاب الخطية. ما رآه هو مَثَلٌ من بين أعدادٍ لا حصر لها من الجهال الذين يسقطون كل يوم في خداع الشر.
يقول: "لأني من كوة بيتي، من وراء شباكي تطلعت" [6]. يتحدث الحكيم كشاهد عيان مقدمًا حديثًا عمليًا واقعيًا. فالحكيم نفسه يطلع خفية ليرى المنظر المأسوي للزوجة الخائنة التي تقوم بدور زانية تصطاد البسطاء. ولعله بهذا المنظر يذكرنا بما جاء منحوتًا على قطعٍ من العاج في مناطق كثيرة بفينيقية، ألا وهو الإلهة عشتاروت تتطلع من الشباك[181]. وقد ارتبطت عبادتها بالزنا، حيث كرست كاهنات أنفسهن لهذا العمل في المعابد الوثنية. شتان ما بين الحكيم وهو يتطلع بمرارة ليصرخ ويرشد وينقذ، وبين الإلهة التي تتطلع لتجد لذتها في فساد حياة الناس وهلاكهم الأبدي.
يصف الحكيم الشاب الساقط في حبال هذه الزانية بالآتي:
أولاً: "عديم الفهم" [7]، أي أنه ذو تفكير تافه، ليس للحكمة موضع في أعماقه، ولا يطلبها في شيء من الجدية.
ثانيًا: "عابر في الطريق" [8]، ليس له هدف جاد في حياته، إنما يعبر في الطريق متجولاً في خمول، لا ينشغل بأمرٍ ما هام في حياته. لعل هذه السمة من أخطر السمات أن يكون الإنسان فارغ الفكر والقلب، وبلا عمل كمن يتسكع في الطرق بلا هدف. وكما يقول القديس يوحنا كاسيان: "الذي يعمل يحاربه شيطان واحد، أما الذي لا يعمل فتحاربه كل الشياطين".
ثالثًا: "عابرًا... عند زاويتها، وصاعدًا في طريق بيتها" [8]. لا يحذر السقوط، ولا يهرب من الخطر، مثَله مثل من يقود سيارته في إشارة حمراء.
يمكننا القول بأنه أخطأ الطريق، إذ جذبته شهواته الداخلية نحو مكان الخطية. لا نلوم المرأة الخاطئة قدرما نلوم الشاب الذي ذهب إلى بابها ليلتقي معها فتغويه. الخطية كامنة في قلبه، لذا استجاب لنداء الشر الخارجي.
رابعًا: يسير "في العشاء، في مساء اليوم في حدقة الليل والظلام" [9]. لا يعرف النور، ولا يسلك في النهار، ولا يتمتع بأشعة شمس البرّ. يسير أيضًا خارج دائرة المسيح، حيث ظلمة القلب والفكر. الآية 9 تحوي خمس كلمات عبرية تعني جميعها " الظلمة" لتؤكد أن الزانية لا تدخل بمن تقتنصه إلى نهاية يومه فحسب، بل إلى الظلمة عينها. فإن كانت الزانية قد خضعت لسلطان "رئيس الظلمة" فإنها تجد لذتها في أسر الآخرين معها ليعيش الكل معها في مذلة الظلمة. وقد جاء في الإنجيل بحسب معلمنا يوحنا الحبيب: "أحب الناس الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة" (يو 19:3)، "أنا هو نور العالم، من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة" (يو12:8).
يُقدم لنا الحكيم وصفًا دقيقًا لسيدة تُثير شابًا نحو الخطية وقد ألهبتها الشهوة:
أولاً: ترتدي "زي زانية" [10]، لكي تُثير أفكارًا من حولها تميل نحو الشر. إنها متزوجة لكن في جسارة بغير حياءٍ ولا خجلٍ تطلب الشر، فتستخدم كل أساليب العالم للإغراء.
ثانيًا: "خبيثة القلب" [10]، ما تنطق به وما تسلكه غير ما تكمن به في أعماقها. لا تظهر عليها أية علامة من علامات النعمة الإلهية.
ثالثًا: "صخَّابة هي وجامحة" [11]. لا تحمل نعمة الهدوء الداخلي ولا الاتزان في تصرفاتها، بل مملوءة صخبًا وضجيجًا. لا تعرف الراحة الداخلية، مهما قدمت من كلماتٍ معسولة أو بشاشة وجه، فإنها دائمًا في حالة قلقٍ وصخبٍ. وكما يقول إشعياء النبي: "لا سلام قال الرب للأشرار" (إش 22:48؛ 21:57) .أيضًا عنيدة وصلبة الرأي وعنيفة، ولا تعرف ضابطًا لمشاعرها وسلوكها. وكما قيل: "إنه قد جمح إسرائيل كبقرة جامحة" (هو16:4).
رابعًا: "في بيتها لا تستقر قدماها" [11]، إذ تجد لذتها في الشوارع والميادين العامة لا في بيتها، على خلاف ما ينصح به الرسول بولس الحدثات، قائلاً: "أن يكُنَّ محبات لرجالهن ويحببن أولادهن، متعقلات، عفيفات، ملازمات بيوتهن، صالحات، خاضعات لرجالهن، لكي لا يُجدف على كلمة الله" تي4:2،5.
إنها لا تلازم بيتها، بل تجري في الشوارع لتنصب شباكها وتصطاد البسطاء والجهال. "تارة في الخارج، وأخرى في الشوارع، وعند كل زاوية تكمن" [12]. الخطية سهلة المنال جدًا، تُلقي بنفسها على كل إنسانٍ لكي تجتذبه. يصور الحكيم الزانية بأن لها منزل house وليس بيتًا home، لها مبنى لكن ليس لها أسرة تتمتع بدفئها، كما لا تشع عليها بحبها ورعايتها عليها. قد يكون لها زوج وأولاد، لكن ليس لهم موضع في قلبها، ولا في أفكارها. تجد لذتها في الخروج من منزلها لتنصب شباكها فتصطاد البسطاء. لهذا ينصح الرسول الحدثات أن يكن "عفيفات ملازمات بيوتهن صالحات" (تي5:2).
خامسًا: تحمل صورة الحب والرقة في التعامل، "فأمسكته وقبَّلته" [13]. إنها تحتضنه بذراعيها وتقَّبله بفمها، فيظن الشاب أنه سعيد ووجد ما يشبعه، ولا يدرك أنها تقدم له الشهوة لا الحب.
سادسًا: تحمل صورة التدين.
"أوقحت وجهها وقالت له:
عليَّ ذبائح السلامة،
اليوم أوفيت نذوري،
فلذلك خرجت للقائك لأطلب وجهك حتى أجدك" [13-15].
تدَّعي أنها متدينة تُقدم ذبائح سلامة، وهي ذبائح اختيارية (لا7)، وتدعوه ليشترك معها في وجبة طعام دينية. بهذا يظن أنه لم يُخطئ فقد وجد من هي متدينة، وتُقدم له حبًا مع الطعام. تقتنصه بالخداع، وتسحبه خلال بطنه.
V حينما تمتلئ المعدة بكل أنواع الطعام تتولد بذور الشهوة، ولا يستطيع الذهن عندما يتثاقل بالطعام أن يحافظ علي ضبط أفكاره. فالذهن لا يسكر فقط بالخمر، لكن أيضًا بكثرة أنواع الأطعمة التي تضعفه وتسلبه من كل قوته وإمكانياته في التأمل النقي الطاهر[182].
القديس يوحنا كاسيان
V كما أن سنبلة الطهارة هي نتاج بذار العرق في الصوم، هكذا فإن الشبع الزائد يسبب انحلالاً، والمبالغة تنتج دنسًا. لكن إذا تُركت البطن جائعة ومنسحقة، لن تندفع الأفكار الشائنة إلى النفس[183].
مار اسحق السرياني
ربما أرادت أن تعبر له عن مدى اهتمامها به فقد قدمت نذرًا لله من أجله لكي يهبه صحة وأمانًا، والآن تدعوه ليشترك في هذه الوليمة الخاصة بالنذر. إنها مشغولة بصحته وسلامه أكثر من انشغالها بنفسها!
كثيرًا ما نسقط في متاعب بسبب تركيزنا على المظاهر الخارجية، فنحمل قناع التدين لنخفي قلبًا فاسدًا، أو كما يقول القديس أغسطينوس إننا نجد في الكنيسة البعض لهم ثياب حملان، لكن في داخلهم قلوب ذئاب مفترسة. عند اختيار ملك حسب قلب الله، قال الرب لصموئيل: "لا تنظر إلى منظره وطول قامته لأنه ليس كما ينظر الإنسان، لأن الإنسان ينظر إلى العينين، وأما الرب فإنه ينظر إلى القلب" (1صم7:16).
إن كانت المرأة الشريرة تقتنص الشاب بالمظهر الخارجي المخادع، فإن الشاب يسلم نفسه للزنا ليس فقط خلال تهاونه مع مسببات الخطية، وإنما خلال تشامخه وحبه للمجد الباطل.
V المجد الباطل هو خادم الزنا[184].
V الإنسان الذي يفتخر بممارسته الفضيلة يُسمح له بالسقوط في الزنا. والذي يمتلئ بالتخيلات بسبب حكمته يُسمح له بالسقوط في شباك الجهل المظلمة[185].
مار اسحق السرياني
يفسر البعض هذه الآية بأن المرأة تغوي الشاب بانها طقسيًا طاهرة فتظن أن من يلتصق بها في علاقات جسدية لا يتدنس، وإن كان هذا الرأي غير مقبول. ويرى آخرون أنها توضح له بأنها طاهرة من "المرض الشهري". لأن من يضطجع مع امرأة في طمثها يكون نجسًا سبعة أيام (لا24:15). أو لعلها توضح له أن يرتبط بها دون خوف إذ لا تتعرض للحمل. على أي الأحوال إنها تربط بين الزنا والعبادة، الأمر الذي عُرف بين الفينيقيين في عبادتهم للإلهة عشتاروت، وقد حذرت الشريعة من ذلك. أيضًا بقولها: "اليوم أوفيت نذوري" تعني أنها قدمت ذبائح السلامة، وبحسب الشريعة لها أن تأكل من الذبيحة اليوم الذي قدمت فيه الذبيحة واليوم التالي. وكأنها تقول له:" عندي فيض من الطعام الشهي لنتلذذ به. وهكذا تسحبه من شهوة بطنه. فهي تعرف أنها تستطيع أن تصطاد قلبه من خلال معدته.
تدعي أنها خرجت تطلب وجهه، ولم تكف عن البحث حتى وجدته! إنها كلمات خداع فهي لا تطلب شخصًا بعينه إنما تطلب ما لنفسها، لإشباع عواطفها أو غرائزها، وفي غباوة يظن من سقط ضحية بين يدها أنه الشخص المهم جدًا المنشود منها. إنها تشوش مفاهيمه فلا يميز بين الحب والشهوة.
سابعًا: تدعوه للتمتع بليلةٍ زيجيةٍ.
"بالديباج فرشْتُ سريري
بموشى كتان من مصر.
عطَّرتُ فراشي بمرٍ وعودٍ وقرفةٍ.
هلم نرتوِ وِدًا إلى الصباح.
نتلذذ بالحبِّ" [16-18].
بجانب انحلال أخلاقها، والتهاب شهواتها الجسدية تتسم هذه المرأة بالخيانة لرجلها وعدم الأمانة.
تستخدم كل وسيلة حسِّية لجذب هذا الشاب الغبي، السرير الفخم الناعم، والكتان الثمين، والروائح الجذَّابة. إنها تود أن تجتذبه بكل الحواس: يرى الثياب المثيرة والسرير المفروش بالديباج، ويسمع صوت دعوتها إذ طلبته وبحثت عنه حتى وجدته، ويتلامس مع ودها حتى الصباح، ويتذوق عذوبة شفتيها، ويشتم الروائح. هكذا تدخل الخطية إلينا خلال الحواس الخمس، لذا يهتم الكتاب المقدس بتقديس هذه الحواس، لا بتحطيمها، بل بإعلائها وتوجيهها لتشبع مما هو للبناء لا الهدم.
للأسف تدعو الشاب أن يخطئ معها على سريرها الذي تشارك فيه زوجها، فتقدم له ما هو لعريسها لحساب الشر. نقدم القلب لمملكة الظلمة عوض مملكة النور، ونحول فكرنا إلى مسرحٍ للشر عوض تجلي السماء فيها، ونبدد عواطفنا ومشاعرنا وأحاسيسنا عوض تقديسها.
ثامنًا: الظروف مهيأة للذة الحب، لم ينقصهما شيء سوى موافقته وتجاوبه معها.
"لأن الرجل ليس في البيت.
ذهب في طريق بعيدة.
أخذ صُرَّة الفضة بيده.
يوم الهلال يأتي إلى بيته" [19-20].
كأنها تدعوه أن يقضي الليلة معها دون خوف، فإن رجلها لن يعود إلى بيته حتى ظهور الهلال أو الشهر الجديد. أليس هذا هو إغراء الخطية للنفس، فتدخل بها كما إلى ليلة دامسة الظلام، وتقدم لها كل الطمأنينة كأن عريس النفس غائب ولن يعود حتى يوم الدينونة!
بنفس الروح دعت امرأة فوطيفار يوسف ليخطئ معها، فإن رجلها كان غائبًا، أما هو فآمن بأن عيني الله تراقبانه، إذ قال لها: "كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله؟!" (تك9:39).
3. غباوة الساقط في شباكها
في غباوة سقط الشاب الذي وصفه عديمًا للفهم [7]، تافهًا في تفكيره ويسير في الحياة بلا هدف. هذا صار كثورٍ تقوده إلى الذبح، وكغبيٍ يُقاد إلى العقوبة، وكطيرٍ يسرع إلى الفخ. إنه يتصرف في غير وعي، إذ سحبته المرأة بقيود شهوته دون أن يدرك أن الثمن هو حياته كلها أو نفسه.
"أغوته بكثرة فنونها،
بملث شفتيها طوحته.
ذهب وراءها لوقته كثورٍ يذهب إلى الذبح،
أو كغبي إلى قيد القصاص.
حتى يشق سهم كبده.
كطيرٍ يُسرع إلى الفخ،
ولا يدري أنه لنفسه" [21-23].
لعله يقصد هنا أن الرجل يأتي يومًا ويكتشف ما فعله الشاب فيضرب بالسهم كبدهما ويحكم عليهما بالموت.
هذا وإن لم يكتشف الزوج الحقيقة فإنهما لن يستطيعا أن يبرِّرا نفسيهما أمام العدل الإلهي، فيكون نصيبهما الهلاك الأبدي.
الزنا هو أقصر الطرق للهلاك، سواء بيد الزوج مكتشف الجريمة أو بسبب الأمراض التناسلية التي يسقط تحت ثقلها الزاني، أو الارتباك الفكري والنفسي، وما هو أهم الدمار الأبدي والحرمان من شركة الحياة السماوية.
4. قتلاها أقوياء
"والآن أيها الأبناء اسمعوا لي وأصغوا لكلمات فمي.
لا يمل قلبك إلى طرقها،
ولا تشرد في مسالكها.
لأنها طرحت كثيرين جرحى،
وكل قتلاها أقوياء.
طرق الهاوية بيتها،
هابطة إلى خدور الموت" [24-27].
حقًا إن "كل قتلاها أقوياء"، مع أننا أُعطينا قوة للغلبة عليها، والذين معنا أعظم من الذين علينا، لكن بالتهاون مع الصغائر نسقط في الكبائر. لذلك كان صوت الرب للوط: "اهرب لحياتك". وقد اهتم الآباء بهذا المبدأ الإلهي.
يقول القديس بيامون الكبير: "حسن أن نتجنب أسباب الخطية. الإنسان الذي يقترب من فرص الخطية يشبه شخصُا يجلس على حافة الجرف، يمكن للعدو أن يقتنصه بسهولة عندما يريد ذلك".
ويقول ماراسحق السرياني: "سقوطنا في خطايا متنوعة علته ليست الخطايا في ذاتها بل ضعفنا حيث تسقط طبيعتنا بسهولة. لذا فالحاجة ملحة للحذر منها[186]".
V من لا ينسحب بإرادته من مسببات الأهواء تسحبه الخطية بغير إرادته.
مسببات الخطية هي الخمر، النساء (الشريرات)، الغنى، الاهتمام الشديد بصحة الجسد. ليست هذه الأمور بطبيعتها خطايا... لهذا السبب يليق بالإنسان أن يحذر منها بحرص شديد[187].
V احذر من الأمور الصغيرة فلا تسقط في الأمور الكبيرة.
لا تتراخى في عملك لئلا تصير في عارٍ عندما تقف في وسط رفقائك ولا تكون بلا مئونة في رحلتك، وتكون وحدك على جانب الطريق[188].
مار اسحق السرياني
من هي هذه الزوجة الخائنة التي تصطاد النفوس لتنحدر بهم إلى الموت؟!
إن كان هذا الأصحاح يمكن تفسيره حرفيًا بخصوص سقوط الشباب في خطية الزنا، فإنه يمكن أن ينطبق أيضًا على كثير من الخطايا التي تتقدم كفتيات تصطدن النفس من عريسها، وتفقد اتحادها مع الله. إن كان سليمان الحكيم يكشف هنا عن شِباك المرأة الزانية لاصطياد الجهال، فإن جميع الخطايا تنصب شباكها المتنوعة بصورة أو أخرى، خاصة المعلمين المخادعين الذين يستخدمون كل وسيلة جذَّابة لإفساد إيمان البسطاء.
يرى البعض أنها تشير إلى الكنائس المرتدة التي تحمل اسم السيد المسيح لكنها تقدم تعاليم باطلة. إنها تخون عريسها، ولا تكف عن العمل بلا انقطاع لتسحب بكل وسيلة النفوس من بيت الكنيسة الحقيقية. تحمل كل جمالٍ فلسفيٍ، وتقدم الكثير من وسائل التنعم، لكي يترك المؤمنون طريق الصليب الضيق ويدخلوا في الطريق الواسع الذي يدفعهم إلى الهلاك الأبدي.
V لقد رأيت مدى أذية الزانية!
لا تسمح للشهوة أن تثور، لأن موتها أبدي. أما بالنسبة لكلماتها وحوارها المعسول، وجراحاتها، فإنها بخطاياها تقتل الذين يخضعون لها. لشرها أشكال كثيرة تقود إلى الانحدار إلى الجحيم. أما حجرات الموت فتعني إما الموت أو مخازنه. فكيف يمكن الهروب منه؟[189]
القديس هيبوليتس

من وحيْ الأمثال 7
لتسحب قلبي إليك
فأستقر في بيتي الأبدي!
V لأحفظ وصاياك كحدقة عيني.
هي ثمينة للغاية،
بدونها أفقد الرؤية، وأعيش في الظلام!
لأربطها على أصابع نفسي كخاتم فريد!
أختم بها كل أفكاري وكلماتي وأعمالي.
لا تفارق عينيَّ،
ولا تُنتزع من أمامي.
V لأحملك في داخلي يا حكمة الله،
واتحد بك يا عريس نفسي.
أنت وحدك تشبع كل كياني!
أنت قريب إليَّ!
عميق في داخلي،
تحملني إلى أعماق أسرارك الإلهية الخفية.
وترفعني إلى عرش نعمتك.
V بك أطير كما إلى السماء،
فلا تطبق فخاخ الزانية على قدمي،
ولا يسقط قلبي في شباكها الخفية.
V ماذا أرى في هذه المخادعة؟
إنها غريبة الجنس.
أما أنا فقد صرت ابنك!
هي متملقة بكلامها، لكنك تضع الحق في فمي.
خائنة زانية، لا تعرف الإخلاص،
أما أنا فبك أصير أمينًا حتى النهاية.
عديمة الفهم لأنها تقاومك يا حكمة الله؛
أما أنا فبنعمتك أصير حكيمًا.
ترتدي ثياب زانية برّاقة وجذابة،
أما أنا فاختفي فيك يا ثوب عرسي الأبدي.
ارتديك فأحمل برك الفائق!
هي صخّابة تجد لذتها في الضجيج،
V أما أنا فألتقي بك مع هدوء النفس وسكون القلب.
هي جامحة وعنيدة للغاية،
أما أنا فأشتهي أن أحمل طاعتك.
في بيتها لا تستقر قدماها،
أما أنا فأرى في السموات بابًا مفتوحًا.
أراك تحملني إلى حضن أبيك،
هناك يحملني روحك الناري،
واستقر كما في بيتي الأبدي.
V تجول الزانية في الخارج،
في الشوارع، وفي كل زاوية.
أما أنا فأدخل إلى الأعماق،
وأتمتع ببيتي السماوي.
لن تجول نفسي بين مغريات العالم وملذاته الزائلة.
هي تمسك بالغير وتقبِّلهم بفمها،
تفتح قلبها كذئب تفترس من يلتصق بها.
هب لي قلبًا لا يعرف العداوة ولا يحمل بغضة،
بل يذوب حبًا حتى نحو مقاوميه.
هي مخادعة حتى بمظاهر التدين،
أما أنا فأصرخ إليك،
انزع عني الفرِّيسية،
وهب لي نقاوة القلب الداخلية!
V نعم كلما رأيت الخطية متجسمة بصورة أو أخرى،
يلتهب بالأكثر قلبي،
مشتاقًا أن ينطلق إليك،
ففيك وحدك تستقر أعماقي.
احملني إليك يا شهوة قلبي!
<<



الأصحاح الثامن

نداء علني للحكمة الأزلي
في الأصحاح السابق تحدث عن الشر كامرأة زانية لا تكف عن أن تستخدم كل وسيلة لكي تخدع الإنسان لكي تهلكه، فإن قتلاها أقوياء. بيتها هو طريق الهاوية، تحدر الكثيرين إلى خدور الموت.
في مقابل هذا نجد في هذا الأصحاح محبة الله الفائقة التي أعدت لنا الخلاص، فقدم لنا "حكمته" الأزلي متجسدًا، كلمة الله، ربنا يسوع المسيح الذي نزل إلى عالمنا، وسار بيننا، يقدم نفسه لنا حكمةً ومعرفةً وحقًا، نقتنيه فهو أفضل من كل اللآلئ وكل الجواهر لا تساويه، يهبنا ذاته ويدخل بنا إلى الأحضان الإلهية.
يحتاج إليه كل أحد ليصير ملكًا أو عظيمًا في الرب، يملك ويدبر أموره حسنًا، ويسلك بالحق. هو موضع سرور الآب، به نصير موضع لذة الآب، يُسر بنا ويهبنا الحياة المُطوَّبة.
للمرة الثالثة يتحدث الحكيم عن الحكمة كشخص وليس مجرد سمة (20:1-32؛ 13:3-18؛ 1:8-18:9).
1. نداء الحكمة العلني1-11.
2. بركات النداء12-21.
3. الحكمة الأزلي 22-29.
4. الحكمة الخالق والمخلص30-31.
5. الحكمة واهب الطوبى32-34.
6. الحكمة واهب الحياة35.
7. بؤس رافضي الدعوة36.
1. نداء علني
في الأصحاحين 8،9 إذ يظهر الحكمة كشخصٍ، يمارس 19 عملاً لكي يجتذبنا إليه، بالتعامل معنا بكل وسيلة:
1. يصرخ بلا انقطاع (1:8-3).2. يقف ليلتقي بنا (2:8).
3. يدعونا، مناديًا كل بني البشر (4:8).4. يتحدث معنا (4:8).
5. يوبخ (5:8).6. يكره الكذب (7:8).
7. يؤدب (10:8).
8. يجد معرفة عملية يقدمها للمؤمن (12:8).9. يبغض الكلمات الكاذبة (13:8).
10. يقدم المشورة الحقة والرأي السديد (14:8).
11 . يهب الملوك والعظماء والرؤساء والشرفاء كرامة مع عدل (15:8،16).
12. يحب (17:8).13. يقود في طرق الحق (20:8).
14. يعطي بسخاء ويملأ مخازن مؤمنيه (21:8). 15. يتهلل فرحًا (31:8).
16. يبتهج ويتلذذ ببني البشر محبيه (31:8).
17. يبني له بيتًا بتجسده، وينحت أعمدة (1:9).
18. يُعد طعامًا ذبيحيًا ومائدة سرائرية (2:9).
19. يُرسل عبيده وجواريه لدعوة البشرية إلى وليمته (3:9-6).
إن كانت الجهالة أو الخطية تظهر كامرأة خبيثة القلب جامحة وخائنة، تهوى اصطياد النفس وإغراءها بكل وسيلة لكي تحدرها إلى الهلاك الأبدي، فإن حكمة الله الأزلي لا يقف مكتوف الأيدي، إن صح التعبير، فإنه لا يكف عن أن ينادي في كل موضع، بل وهو الخالق ينزل إلى خليقته، وهو الحكمة المحبوب لدى الآب يجد لذته في بني آدم يقدم لهم شركة الحياة السماوية، والتمتع بالحياة المطوبة.
"ألعلّ الحكمة لا تنادي (تصرخ)،
والفهم ألا يُعطي صوته؟!" [1]
قديمًا صدر الأمر الإلهي لإشعياء النبي: "نادٍ بصوتٍ عالٍ؛ لا تمسك؛ ارفع صوتك كبوقٍ وأخبر شعبي بتعدِّيهم وبيت يعقوب بخطاياهم" (إش1:58). وكان اللاويون يقرأون البركات واللعنات بصوتٍ عالٍ (تث14:27).
تنادي الحكمة على الدوام وتصرخ لكي يسمع الكل صوتها، لتُعلن عن إرادة الله وخطته من جهة الإنسان. تعلن ذلك خلال الطبيعة التي تشهد بعناية الله؛ وتحدثت بأكثر وضوح خلال الآباء والشريعة والأنبياء. لكن الصعوبة تكمن في رفض الإنسان للاستماع للصوت الإلهي.
إن كانت الخطية لا تتوقف عن الإغراء، فإن حكمة الله ينادي بلا توقف. وكما يقول الرسول بولس: "الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديما بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثًا لكل شيء الذي به أيضا عمل العالمين" (عب1:1،2). جاء أخيرًا الحكمة الإلهي - السيد المسيح - ينادي بنفسه ويُعطي صوته مباشرة. قدم لنا حديثه، ليس فقط بالكلام، وإنما بالحب العملي الباذل على الصليب، كما أعطانا روحه القدوس لكي يحملنا فيه، فنسمع صوته خلال اتحادنا فيه، وتجديدنا المستمر لنصير أيقونة حية له.
في هذا الأصحاح يبرز أن الحكمة هي التي تسعى وراء الإنسان وتبحث عنه وتدعوه ليقبلها، لكنها لا تلزمه بذلك. على خلاف ما يتصور الكثيرون أن الله معتزل في سمواته، والإنسان يبحث عنه ويحاول إرضاءه، نرى الله خلال الحكمة ينزل إلى الإنسان، يطلبه في الشوارع وفي كل موضع، فإنه مبادر بالحب.
أين ينادينا الحكمة؟
"عند رؤوس الشواهق،
عند الطريق بين المسالك تقف.
بجانب الأبواب عند ثغر المدينة،
عند مدخل الأبواب تصرخ" [2،3].
حكمة الله أو كلمته ينادي في بيت الرب الذي كان يٌقام على رؤوس التلال العالية، والذي يقع بين مفترق الطرق كمركز للقرى المحيطة به، وقد جاء التعبير العبريbeith neithiboth nitstsbabah ليعني "البيت المؤسس عند الطرق". فإن كنا نسمع صوت الله أينما وجدنا ، وتحت كل الظروف ، لكن الله يحدثنا بالأكثر في بيته، فالكتاب المقدس هو كتاب الكنيسة، والكنيسة هي كنيسة الكتاب. في الكنيسة نلتقي بالسيد المسيح، حكمة الله، ونفتنيه ونحيا به...نسمع صوته فينا!
يقدم لنا سليمان الحكيم ثلاثة مواقع نلتقي فيها بالحكمة الإلهية:
ا. "عند رؤوس الشواهق" ، أي على المرتفعات العالية فقد استلم موسى النبي الشريعة على قمة جبل سيناء، وقدم السيد المسيح موعظته على الجبل. هكذا نحن مدعوّون لكي ننطلق مع السيد المسيح كما مع بطرس ويعقوب ويوحنا فنراه متجليًا على جبل طابور. نصعد دومًا ولا نستكين عند سفح الجبل ، فنقول مع المرتل: "إليك رفعت نفسي ..."، ترتفع نفوسنا لتتحد مع المصلوب على جبل الجلجثة! هناك نسمع الصوت الإلهي الفريد، صوت الحب العملي الباذل، الوصية الإلهية في أروع صورها!
تقف الحكمة عند قمم المرتفعات والجبال، فالدعوة علنية. ارتفع السيد المسيح - الحكمة - على الصليب على جبل الجلجثة، حيث شاهده اليهود والأمم، ليُعلن حبه العملي الباذل، باسطًا يديه ليحتضن الكل بلا استثناء. إنه محب كل البشرية، مخلص العالم!
إن كان قد نزل حتى سفح الجبل ليلتقي بالجماهير البسيطة، فإنه ينادي من على القمم لكي يراه الكل ويسمعوه، ولا يكون لأحد عذر في رفض الدعوة.
ب. "عند الطريق بين المسالك"، فالحكمة يقف عند مفترق كل الطرق ، حتى يأتي إليه الجميع ، من المشارق والمغارب، ومن الشمال والجنوب. إنه مخلص العالم كله! هكذا تفتح الكنيسة أبواب قلبها لكل إنسان!
عند ملتقى الطرق يقف السيد المسيح حيث يجد الإنسان في حيرة لا يعرف أين يتجه، فيقوده في الطريق الملوكي. يظلل عليه كسحابةٍ تحميه في النهار، وكعمود نورٍ يبدد الظلمة من خلاله. لقد قيل عن الجهلاء: "تعب الجهلاء يعيبهم، لأنه لا يعلم كيف يذهب إلى المدينة" (جا15:10)، لذا يقف حكمة الله فيلتقي بهم ليدخل بهم إلى بيته، بيت الحكمة السماوي.
جاءت العبارة بالعبرية beith nethiboth nitsabah" تعني "البيت المؤسس عند الطريق"، ويعني به "بيت الله"، سواء خيمة الاجتماع أو الهيكل في العهد القديم، والكنيسة في العهد الجديد، حيث يكون بيت الله في ملتقى الطرق، ويمكن للإنسان أن يبلغ إليه.
إن كان بيت الله هو موضع العبادة حيث يلتقي فيه المؤمنون كأبناء لله يمارسون عبادتهم خلال بنوتهم لله، فإنه أيضًا موضع كرازة، فيه يتحدث السيد المسيح للعالم خلال خدامه ليُدرك الكل محبة الله الفائقة. فالكنيسة هي موضع لقاء الحكمة الإلهي بالبشرية، حيث يُقدم المسيح ذاته للجميع.
ج."بجانب الأبواب...عند مدخل الأبواب"، هناك كان يجتمع شيوخ المدينة ليحكموا في قضايا الشعب، وكأن الحكمة الإلهية يود أن يقدم ذاته لكل من له شكوى، أو من كان في ضيقٍ، فهو وحده يقدر أن يرد للنفس سلامها.
إذ تجسد حكمة الله، وصار إنسانًا، كان يجول يصنع خيرا في كل موضع .أعلن رسالته في الهيكل كما في المجامع، وعلى قمم الجبال، وعلى شواطئ البحار، وفي القرى، كما في طرق المدن وفي البيوت. وقد استلم تلاميذه هذه الروح ، فسلكوا كما سلك معلمهم ، يبحثون عن الخطاة أينما وجدوا، ويقدمون صوت الحق في كل موضع.
تصرخ الحكمة عند أبواب المدخل ومداخلها لتلتقي بالداخلين والخارجين. إن كان السيد المسيح هو "الباب" فإن تلاميذه ورسله وكل خدامه يلزمهم أن يصرخوا بحق الإنجيل فيه، ليكشفوا عن كنوزه المقدمة للبشرية، وعن الحق لكي يتمتع الكل به.
ليتنا لا نقف مع السيد فقط على القمم العالية، ولا نتحدث عنه فقط في داخل المبنى الكنسي، لكن نحمله إلى كل إنسان، نذهب إليه لنقدم له "الباب الملوكي".
V إذ يتمسكون بالبر في براءة لا يخجلون، هذه هي الكرازة عند الباب.
ومن هو هذا الذي يكرز عند الباب؟
ذاك الذي يكرز في المسيح، لأن المسيح هو الباب الذي به ندخل إلى تلك المدينة...
لهذا فان الذين يتكلمون ضد المسيح هم خارج الباب، إذ يطلبون كرماتهم الذاتية، لا كرامة المسيح . أما الذي يكرز عند الباب فيطلب كرامة المسيح لا كرامته الخاصة. لهذا فإن من يكرز عند الباب يقول: "لا تثق فيَّ، لأنك لا تدخل من خلالي بل من خلال الباب. أما الذين يطلبون من الناس أن يثقوا فيهم فإنهم يريدون منهم ألا يدخلوا من الباب، فلا نعجب إن أُغلق الباب أمامهم وباطلاً يقرعون ولا يُفتح لهم[190].
القديس أغسطينوس
"لكم أيها الناس أنادي،
وصوتي إلى بني آدم" [4].
جاءت كلمة "الناس" هنا ishim لتعني أصحاب الغنى والسلطة، فالحكمة الإلهي ينادي أصحاب السلطان كقادة مسئولين وأيضًا يرفع صوته إلى كل بني البشر . يدعو الأغنياء كما الفقراء أن يسلكوا بالحكمة. إنه يدعو كل بني آدم ، فقد ذاق السيد المسيح الموت من أجل كل إنسانٍ، مقدمًا إنجيل الخلاص لكل العالم. وكما يقول الرسول بولس: "برّ الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون لأنه لا فرق" (رو22:3).
يعلن القديس أغسطينوس عن عمومية الخلاص للعالم بلا تمييز أو محاباة، قائلاً:
[جاء المسيح للمرضى فوجد الكل هكذا. إذن لا يفتخر أحد بصحته لئلا يتوقف الطبيب عن معالجته لقد وجد الجميع مرضى.
لكنه يوجد نوعان من القطيع المريض؛ نوع جاء إلى الطبيب والتصق بالمسيح وصار يسمعه ويكرمه ويتبعه فتغير أما النوع الآخر فكان مفتتنًا بمرض الشر ولم يدرك مرضه، هذا النوع قال لتلاميذه: "لماذا يأكل معلمكم مع العشارين والخطاة؟!" (مت11:9). وقد أجابهم ذاك العارف لهم ولحالهم: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى"[191].]
بعد أن أكد عمومية الدعوة عاد يخصص دعوته للحمقى والجهال، فإن من يكتشف خطاياه أو يدرك حمقه وجهله يجد في المخلص شفاءه.
"أيها الحمقى تعلموا ذكاءً،
ويا جُهّال تعلموا فهمًا" [5].
يوجه حديثه إلى البسطاء (الحمقى) pethaim الذين خدعتهم الكلمات المعسولة وإغراءات الخطية، فسقطوا في هوة الشر، كما يُحدِّث الجهال kesilim ، ويقصد بهم الأغبياء الذين في جهلهم صلّبوا الرقبة وفقدوا الإحساس.
يفتح باب الرجاء أمام المخدوعين والجهال بقبولهم إياه حكمة وفهمًا!
د. بركات النداء
غاية نداء حكمة الله أنه إذ يجد لذته في بني البشر يودّ أن يقدم لهم ذاته فينالوا غنى وكرامة وحكمة ومعرفة ونجاحًا في كل جوانب الحياة، كما يقدم حبًا لا يتلقاه إلا من يتجاوب معه بالحب لذا يركز على وعده: "أحب الذين يحبونني".
إذ أوضح سليمان أن الدعوة لم تتوقف قط وأنها عامة لجميع البشر، خاصة الذين خدعتهم الخطية وحطمهم الجهل، حدثنا عن بركات هذه الدعوة، قائلاً:
"اسمعوا، فإني أتكلم بأمورٍ شريفةٍ،
وافتتاح شفتي استقامة" [6].
لماذا يليق بهم أن يسمعوا؟ لأن ما ينطق به السيد المسيح ليس بأمور بلا قيمة، بل هي أمور شريفة negidim، أي أمور فائقة، لها الأولية في حياة الإنسان، أسمى من كل الأمور الأخرى. يُعلِم أمورًا تمس كرامتهم الأبدية ومجدهم الفائق الدائم.
إذ يفتح شفتيه تنبعث منهما الاستقامة meysharim ، أي الأمور التي تصحح مفاهيمنا الخاطئة وتحول الطرق الملتوية إلى طرق مستقيمة.
فإن كان الحديث موجه إلى الحمقى والجهال [5] هؤلاء الذين بجهالاتهم صاروا تافهين، لكن الحكيم يتحدث في أمور خطيرة تنزعهم مما هم فيه لتصير حياتهم ذات قيمة.
"لأن حنكي يلهج بالصدق،
ومكرهة شفتيَّ الكذب" [7].
ينطق السيد المسيح بالحق الذي لا يعرف الباطل، ولا يمتزج بالكذب!
"كل كلمات فمي بالحق (في البرّ)،
ليس فيها عوج ولا التواء" [8].
الحقbetsedek الذي يخرج من شفتيه هو الحق العملي، أو البر الممتزج بالعدالة في معاملاته مع أبيه ومع البشرية، يُعطي ما لقيصر لقيصر، وما لله لله. كلماته تكشف بصدقٍ عن علاقة الإنسان بالله إلهه وبقريبه كما بنفسه. هذا الصدق الذي يحمل عدلاً واستقامة، وليس شيئًا من الخداع أو الانحراف، ولا يحتمل تأويلاً، أو الذي يقود إلى اعوجاج، ولكن على العكس:
"كلها واضحة لدى الفهيم،
ومستقيمة لدى الذين يجدون المعرفة" [9].
من هو مهتم بخلاص نفسه والتمتع بالمعرفة الحقة يدرك أسرار الحكمة الإلهية، وتصير خطط الله واضحة ومستقيمة أمامه ، ومن ينعم بالمعرفة، أي يعرف نفسه كما ينبغي يرى حتى في تأديبات الرب استقامة، ويتلامس مع وعود الله بكونها صادقة وأمينة.
لقد بكى القديس يوحنا الحبيب كثيرًا لأنه لم يوجد أحد مستحق أن يفتح السفر ويقرأه، ولا أن ينظر إليه. لكن قال له أحد القسوس: "لا تبكِ. هوذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهوذا أصل داود ليفتح السفر ويفك ختومه السبعة" (رؤ5:5). الآن وقد فُكَّت ختوم السفر صارت خطة الله واضحة لمؤمنيه، يدركون أسراره ويتذوقون عربون المجد الذي أعده لهم.
كل ما يُعلنه السيد المسيح هو ثمين للغاية:
"خذوا تأديبي لا الفضة" [10].
"والمعرفة أكثر من الذهب المختار" [10].
لماذا يكرر الله الدعوة لكي نقبل التأديبات الصادرة منه أكثر من الفضة؟ كثيرًا ما يكف الآباء حسب الجسد عن تأديب أولادهم، إما لأنهم يئسوا من الإصلاح، أو لأنهم شعروا أنهم يُغضبون أبناءهم، أما أبونا السماوي فلن يتوقف عن تأديبنا لأنه يترجى دومًا خلاصنا، مهما بلغ عنادنا، ومن جانب آخر فإن محبته أبدية، لا يطلب أن يسترضينا هنا على حساب شركتنا معه في المجد الأبدي.
"لأن الحكمة خير من اللآلئ،
وكل الجواهر لا تساويها" [11].
المعرفة هي طعام النفس، بدونها تخور النفس وتموت! يقول الحكيم إن المعرفة أفضل من الذهب الخالص. يشبِّه البعض البشرية التي تنشغل بالذهب والغنى دون المعرفة الإلهية بجماعة انكسرت بهم السفينة في وسط المحيط، وإذ وجدوا جزيرة جرداء نزلوا إليها ونجوا لكنهم صاروا في عزلةٍ تامة عن كل العالم. كان لديهم غلال وأطعمة، فبدأوا يأكلون ويشربون، وإذ اكتشف أحدهم مناجم ذهب غنية جدًا تهللوا، وصاروا يستخرجون الذهب حتى اغتنوا جدًا ولم يبالوا بالزراعة. جاء فصل الشتاء ونفذ الطعام مع فيض كثير من الذهب، لكن ماذا ينفعهم الذهب؟ لقد خاروا من الجوع، وأخيرًا ماتوا وسط أكوام الذهب[192]. هذا هو حال من يرفض المعرفة الإلهية لأنه مشغول بالغنى.
2. بركات الحكمة
إذ يقدم حكمة الله نداء عامًا وعلنيًا لكل البشر كي يقتنوه، يكشف عن عمله في حياة الذين اقتنوه، حيث يُعلن ذاته لهم وفي داخلهم.
أولاً: يهب الذكاء والتدبير الحسن
"أنا الحكمة أسكن الذكاء،
وأجد معرفة التدابير" [12].
إذ يسكن حكمة الله فينا يسكن معه الذكاء، فيهب المؤمن فكرًا صادقًا وإدراكا واعيًا. كل ذكاء أو مهارة هو من عند الرب. فقد اخترع الإنسان طرق كثيرة للتدبير، والرب يهب كل طرقٍ للبنيان. ذكاء الإنسان الذاتي يُدمر إذ ينقصه الصلاح، وأما الذي يهبه الله فيبني.
من جانب آخر يهبه معرفة اختبارية عملية يدعوها "معرفة التدابير mezimnoth emsta". كلما حمل الإنسان الحكمة الروحية، تترجم في حياته الداخلية وسلوكه الظاهر إلى تدابير عملية بارة ومقدسة في الرب. الذكاء هو قدرة على التفكير بمهارة، أما الحكمة فتحمل مع الذكاء ممارسة، فالحكمة تقود الإنسان إلى العمل بأسلوب لائق تقوي. هذا هو الجانب الإيجابي لعمل الحكمة، أما الجانب السلبي فهو كراهية الحكيم للشر والجهالة.
ثانيًا: يهب مخافة الرب التي ترفض الشر
"مخافة الرب بغض الشر،
الكبرياء والتعظم وطريق الشر وفم الأكاذيب أبغضت" [13].
تفيض الحكمة على مقتنيها ليس فقط بالذكاء والتدبير الحسن وإنما تملك على مشاعر القلب وأحاسيسه، فيكره المؤمن أربعة أمور: الشر، والكبرياء، والعجرفة والخداع. بمعنى آخر. إن كانت مخافة الرب هي رأس الحكمة، فإنه بالحكمة ننعم بالمخافة التي بدونها لن نحب البر والصلاح ونبغض الخطية والشر.
الخوف من العقوبة ربما يُلزمنا ألا نخطئ، لكنه قد يولِّد اشتياقًا أكثر نحو الخطية، لأن "المياه المسروقة حلوة، وخبز الخفية لذيذ" (أم17:9). أما مخافة الرب التي تقوم على دالة الحب وإدراك بنوتنا لله فتجعلنا نكره الخطية، ليس خوفًا من العقوبة، وإنما حبًا في الله أبينا إذ نرى في الخطية جرحًا لمحبة الله الذي لا يقبل الظلمة.
الإنسان وقد فسدت طبيعته بعد السقوط صار يميل إلى الخطية وينجذب إليها بالرغم من إدراكه لخطورتها على حياته، لذا يحتاج إلى حكمة الله، المخلص، ليجدد بروحه القدوس طبيعته، ويهبه بغضة داخلية للخطية.
لقد صرخ رجال العهدين القديم والجديد بسبب ميل الإنسان إلى الشر:
"القلب أخدع من كل شيء، وهو نجيس، من يعرفه؟!" (إر9:17).
"كما هو مكتوب إنه ليس بار ولا واحد، ليس من يفهم، ليس من يطلب الله. الجميع زاغوا وفسدوا معًا. ليس من يعمل صلاحًا، ليس ولا واحد" (رو10:3-12).
يستحيل على الإنسان أن يبغض الشر ما لم يحب الصلاح، ولما كان بغض الشر يقود الإنسان إلى هجر الطريق الشرير، ومحبة الصلاح تقوده إلى عمل ما هو حق في عيني الله، وذلك بفعل الروح القدس الذي يهب كراهية للشر وحب الصلاح، لذلك فإن هذا من جانبه يلهب فينا مخافة الرب.
إن كانت مخافة الرب تمثل صلاحًا عميقًا في القلب يقوده بعيدًا عن الشر، بل يهبه بغضة للشر، فإن هذا العمل الداخلي يحمل ترجمة عملية في السلوك الظاهر برفض الكبرياء والتشامخ والنطق بالكذب.
في حديث البابا أثناسيوس الرسولي عن القديس أنبا أنطونيوس الكبير يقول: [إذ كانت نفسه حرة من القلاقل، كان مظهره الخارجي هادئًا؛ هكذا من فرح نفسه حمل ملامح باشة؛ ومن حركات جسده يمكن إدراك حالة نفسه، كما هو مكتوب: "القلب الفرحان يجعل الوجه طلقًا، وبحزنه ينسحق (الوجه)" (أم13:15).
ثالثًا: يعطي القدرة على تقديم المشورة
"فيَّ المشورة والرأي.
أنا الفهم،
لي القدرة" [14].
إذ للحكمة - ربنا يسوع - المشورة وأيضًا القدرة على تقديم فكرٍ صائبٍ وتدبيرٍ حكيمٍ للأمور بفهم، فإنه يهب من يقتنيه القدرة على تقديم المشورة بدوره للآخرين. لهذا فإن المؤمن التقي يصير مشيرًا روحيًا حتى في صمته، أما الشرير فيعجز عن تقديم مشورة صالحة فعّالة، حتى إن كان يجيد الحديث وله خبرات طويلة.
السيد المسيح حكمة الآب (1كو14:1)، ينبوع الحكمة، ليس فقط يفيض علينا، بل يبعث فينا ينابيع مياه حيّة تفيض على من نلتقي بهم.
يقول "ليَ القوة"، حتى لا نحسب أن الحياة التقوية الهادئة ضعف واستكانة، بل هي تمتع بالقوة ذاته.
يعلق البابا أثناسيوس الرسولي على هذه العبارة قائلاً:
V بكونه حكمة الآب ذاته... هو نفسه المشورة الحيّ للآب وقوته وخالق كل الأشياء التي رآها الآب صالحة. هذا ما يقوله عن نفسه في الأمثال: "لي المشورة والأمان (الرأي)، لي الفهم، لي القدرة". ("لان المسيح هو قوة الله وحكمة الله ") (1كو24:1). هنا يغير التعبير فيقول :"لي الفهم" و"لي القدرة". عندما يقول: "لي المشورة" هو نفسه المشورة الحيّ للآب، كما يعلمنا النبي أيضا انه صار "ملاك المشورة العظيم" ، ودُعي المسرة الصالحة للآب[193].
البابا أثناسيوس الرسولي
رابعًا: يهب روح الملوكية والسلطة
إذ يملك السيد المسيح "الحكمة" فينا، لا يجعلنا عبيدًا بل ملوكًا، فنحمل سمته فينا، نحمل روح الملوكية التي لا تقبل العبودية لشهوةٍ ما، ولا نرتعب أمام أحداث زمنية، ولا نخاف كائنًا، بل نحمل حرية مجد أولاد الله. لنا سلطان على أفكارنا وأحاسيسنا ومشاعرنا وحواسنا كما على تصرفاتنا الظاهرة، فنسلك كأبناء ملوك سمائيين، بحكمة علوية فائقة.
"بيَ تملك الملوك،
وتقضي العظماء عدلاً.
بيَ تترأس الرؤساء والشرفاء.
كل قضاة الأرض" [15-16].
هكذا يُقيم ملك الملوك، "حكمة الله" من شعبه ملوكًا وعظماء ورؤساء وأشراف وقضاة. إنه إذ يسألهم أن يسلكوا بروح الاتضاع، إنما ليحملوا اتضاعه فيهم، فيصيروا عظماء في عيني الله، وفي أعين السماء والبشر. إنه جاء ليرد الإنسان المحطم بالخطية إلى الملوكية المجيدة!
الله في محبته للبشر ينسب نفسه للمتألمين، فيُدعى أب الأيتام وقاضي الأرامل، يبحث عن المطرودين، ويسند البائسين، ويرفع المتواضعين، ويهتم بالذين ليس لهم من يسأل عنهم. إن كان قد أقام الملوك والرؤساء والأشراف والقضاة إنما ليعملوا لحساب هؤلاء جميعًا، أقامهم لا لفضلٍ فيهم، وإنما للعمل لحساب المجتمع كله، خاصة المظلومين والمحتاجين هكذا يليق بمن هو في موقع المسئولية أن يُدرك انه تسلمها من يد الله ليعمل لحساب المجتمع بروح الحب والاتضاع.
V الحديث الإلهي في هذا الأمر واضح ، فإن حكمة الله هكذا يتحدث: "بي يملك الملوك، ويملك العظماء الأرض". لكن لا يُفهم بذلك أنهم ملوك أشرار وغير اتقياء، بل ملوك شجعان.
القديس أغسطينوس
خامسًا: يصيرون موضوع حب السماء!
"أنا أحب الذين يحبونني،
والذين يبكرون إليّ يجدونني" [17].
إذ يقدم "الحكمة" نفسه للبشرية، معلنًا أنه المشورة والرأي والفهم والقدرة، من يقتنيه يدرك أسرار الآب، ويتعرف على إرادته، ويحمل قوة من عنده، فيحيا في هذا العالم كوكيل الله، يحمل أيقونة السماء، ويشهد لعمل الله الفائق. الآن يؤكد مبدأين خطيرين متكاملين:
المبدأ الأول هو تقديس الحرية الإنسانية، فهو لا يدفع بنفسه في حياة إنسان بغير اختياره، مؤكدًا "أنا أحب الذين يحبونني". إنه الحب كله، يفتح ذراعيه على الصليب للعالم كله، ويتسع صدره ليتكئ كل بشر عليه، لكن ليس الكل يقبله!
لنحبه فندرك أنه أحبنا أولاً!
لنرتمي على صدره، فنجده مُعدًا لنا!
لنشتاق إليه فنلمس اشتياقاته الفائقة نحونا.
حبه لنا ليس ثمرة لحبنا له، لأنه أحبنا اولاً.
بادر بالحب قبل أن نعرف؛ ونحن أعداء صالحنا مع الله أبيه.
لكن حبنا هو مفتاح معرفتنا لحبه القائم الغامر لكل البشرية.
أما المبدأ الثاني والمكمِّل للسابق فهو التزامنا بالتبكير إليه لكي نجده. ماذا يعني: "والذين يبكرون إليّ يجدونني
التبكير هنا يحمل مفهوم الأولوية، فقد وضع لخلاصنا وتجديدنا أولوية خاصة، فقدم الآب ابنه الحبيب ذبيحة حب لأجلنا. وكأنه يقول: "الإنسان أولاً!" إن كان هذه هو العمل الإلهي العجيب، أفلا يليق أن نبكر إليه قائلين: "الله أولاً" في حياتنا اليومية وفي أفكارنا الداخلية، وفي سلوكنا الأسري الخ.
في كل تصرف، خفي وظاهر، ليكن الله محور تفكيرنا، نبكر إليه، فقد بكَّر إلينا، وجعلنا في قمة اهتمامه وهو خالق السماء والأرض!
لنبكر إليه فنعطيه أفضل أوقاتنا للقاء معه، فلا يكون في آخر القائمة، نتعبد له في فضلات أوقاتنا. يليق بنا أن نعطي للقائنا معه اهتمامًا خاصًا، فنجري إليه في الصباح المبكر، ونقدم له اليوم الأول من الأسبوع (الأحد)، ونفضل اللقاء معه عن أية رباطات بشرية أو مجاملات. الله فوق الكل!
لنبكر إليه فنذكر خالقنا في أيام شبابنا، مقدمين له بكور عمرنا كي يقدس العمر كله.
سادسًا: يهبنا ذاته كنزًا ومجدًا وشبعًا
"عندي الغنى والكرامة،
قنية فاخرة وحظ.
ثمري خير من الذهب ومن الإبريز،
وغلتي خير من الفضة المختارة" [18-19].
عادة يصير الحكماء أغنياء ومكرمين في أعين الناس، لكن ليس لهذا المبدأ استثناءات كثيرة.
ما يتحدث عنه سليمان الحكيم هنا ليس الغنى المادي ولا الكرامة الزمنية ولا شبع البطن، بل ما هو أعظم، التمتع بشخص السيد المسيح الذي فيه كفايتنا!
يوجد غنى ومجد وشبع يملأ كيان الحكيم، لا يستطيع العالم كله ولا قوات الظلمة ولا أحداث المستقبل أن تنتزعها منه، لأن هذا كله لن يقدر أن يفصل المؤمن الحكيم التقي عن شخص السيد المسيح الذي لنا فيه كنز ومجد وشبع. الإنسان الحكيم يردد مع القديس بولس الرسول: "من يقدر أي يفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف؟!" (رو25:8).
V إن كان يجب أن نميز بين ذاك الذي يُحسب غنيًا لأن ممتلكاته كثيرة ومثقلة بالذهب مثل محفظة قذرة، وبين البار الذي وحده مملوء نعمة، لأن للنعمة تدبيرها، تلاحظ المقاييس اللائقة والجميلة في التنظيم والتوزيع[194].
القديس إكليمنضس السكندري
"في طريق العدل أتمشى، في وسط سبل الحق.
فأُورِّث محبِّيّ رزقًا، وأملأ مخازنهم" [20-21].
من هو هذا الذي يتمشى في طريق العدل ويُقيم في وسط سبل الحق إلا ابن الإنسان، ربنا يسوع المسيح، فيحملنا فيه، وننعم بما لديه؟!
V كما لو كان ابن الإنسان يتمشى وسط المنائر السبع (رؤ1). يُقال إنه في وسط الكنائس السبع، وكما قال سليمان: "في طريق العدل أتمشى"، ذاك الأزلي، ينبوع الملوكية.
الأب فيكتوريانوس
إن كان الغني يطلب أن تشبع نفسه من المقتنيات، فإن الحكيم إذ يقتني الحكمة تشبع نفسه من السلوك في طريق العدل، والتحرك وسط سُبل الحق. يجد في العدل والحق مع الحب ما يُشبع أعماقه، فتمتلئ مخازنه الداخلية من الفرح والتهليل مع السلام الفائق والصلاح.
البركات الزمنية تُقدم للبطن شبعًا مؤقتًا سرعان ما يتبعه جوع، أما البرّ الإلهي فيُقدم للمخازن الداخلية شبعًا وامتلاء، يرفعها روح الله إلى السماء رصيدًا أبديًا لحسابنا. وقد عبر داود النبي عن ذلك بصورة رائعة، إذ يقول: "بذخائرك تملأ بطونهم، يشبعون أولادًا، ويتركون فضلاتهم لأطفالهم، أما أنا فبالبر أنظر وجهك؛ أشبع إذا استيقظت بشبهك (مز14:17،15). ما يغترفه الإنسان من عطايا زمنية هو هبة من الله، لكنها هبة مؤقتة تشبع البطن، وما يتبقى منه يتركه ميراثًا لأولاده، مقدمًا لهم فضلاته الزائلة. أما من يتمشى في طريق العدل في وسط برّ السيد المسيح إنما يتشكل إنسانه الداخلة فيصير بالروح القدس أيقونة المسيح، على شبهه. هذا هو رصيده الأبدي الذي يملأ مخازنه السماوية هذه التي لن يسلبها سارق، ولا يفسدها سوس!
3. الحكمة الأزلي
في هذا الأصحاح يتجلى شخص السيد المسيح بكل قوة، بكونه حكمة الله، الذي يدعو كل البشرية لتقتنيه وتتمتع بإمكانياته الفائقة. الآن يكشف عن ذاته أنه واحد مع الآب، خالق العالم، المهتم بخلاص خليقته التي فسدت، ويجد لذته في دعوة الخطاة إلى الخلاص.
"الرب قناني possessed Me أول طريقه من قبل (أجل) أعماله منذ القدم" [22].
ركز الأريوسيون على العبارة "الرب قناني أول طريقه من قبل أعماله منذ القدم" [22]. ليدَّعوا أن السيد المسيح وإن كان سابقًا لكل الخليقة لكنه في نظرهم "أول الخليقة"، الذي خلقه الآب دون غيره، وقام هو بعمل الخلقة. اعتمدوا في ذلك على كلمة "قناني" ويترجمونها "خلقني". لذلك اهتم آباء الكنيسة، وعلى رأسهم البابا أثناسيوس الرسولي بتفسير هذه العبارة وربطها ببقية الفقرة كلها [22-31]. وسأحاول تقديم فكر الآباء في شيء من الإيجاز في ملحق خاص بهذا الأصحاح.
الآن اُقدم تفسيرًا مبسطًا للفقرة.
بينما أساء الأريوسيون فهم هذه العبارة وجد كثير من الآباء فيها صورة حية ورائعة لمحبة الآب الذي بالحكمة دبر خلاصنا قبل خلقتنا. فمنذ البدء دبر التجسد الإلهي، ليصير حكمة الله أو كلمته، الأقنوم الإلهي غير المنفصل عنه إنسانًا من أجل البشرية ليكون هو "أول أعماله"، أي البكر بين أخوةٍ كثيرين" (رو29:8)؛ "البداءة، بكر من الأموات" (كو18:1). وكأنه هنا يقدم الحكمة الإلهي وعده الفائق بأن أباه الأزلي معه يخطط لخلاصنا قبل خلقتنا، وكأن تدبيره يسبق وجودنا كعلامة اهتمامه بنا وقدرته الفائقة السرمدية لتحقيق خطة حبه نحونا.
يُلاحظ في هذه الآية الآتي:
أولاً: إن كان بعض الآباء مثل القديس غريغوريوس أسقف نيصص يؤكد أن الكلمة العبرية لا تعني "خلقني" بل "اقتناني possessed Me " إلا أن البعض مثل البابا أثناسيوس الرسولي لم يمتنع عن استخدام الكلمة اليونانية وهي تعني "خلقني"، إلا أنه يؤكد أنها ليست ذات الكلمة التي استخدمت في خلقة العالم.
ثانيًا: إن سفر الأمثال سفر رمزي، فلا نلتقط كلمة منه ونفصلها عن الكتاب المقدس لنفسرها لاهوتيًا.
ثالثًا: إن كلمة "خلقني" لا تربكنا، فإن حكمة الله، الأقنوم الثاني قد صار كلمة، إذ أخذ جسدًا مخلوقًا وقد صار بالحقيقة إنسانًا وعبدًا دون أن يتغير إذ لايزال إلهًا مباركًا إلي الأبد.
رابعًا: لا يمكن أن يكون هذا التعبير "خلقني" خاص بجوهر أقنوم الحكمة، لأنه في نفس العبارة قيل: "من أجل أعماله"، فإن كان هذا الأقنوم قد خُلق لأجل البشرية، فتكون البشرية أفضل وأهم منه. أما بكون الخلق هنا يعني التجسد وخطة الخلاص، فالمعني يختلف تمامًا إذ يكون الخلق من أجل الحب الإلهي الفائق نحو البشر.
خامسًا: لا نتعثر من القول: "أول طرقه"، فبالتجسد الإلهي احتل الأقنوم المتجسد موضع آدم، فكما بسقوط آدم فسدت الطبيعة البشرية، هكذا بنصرة آدم الجديد وبره صارت النصرة والبرّ للبشرية. هذا ما عبرّ عنه الرسول بولس، قائلاً: "كأنما بإنسانٍ واحدٍ دخلت الخطية إلي العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلي جميع الناس إذ أخطأ الجميع لكن قد ملك الموت من آدم إلي موسى، وذلك علي الذين لم يخطئوا علي شبه تعدى آدم الذي هو مثال الآتي إن كان بخطيةِ واحدٍ مات الكثيرون، فبالأولي كثيرًا نعمة الله والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت لكثيرين" (رو12:5 الخ).
بهذا فقد أبونا الأول آدم مركزه كبكر، ليحتل حكمة الله المتجسد مركزه فيقودنا كبكر إلي سمواته، وننعم بشركة مجده. لقد صار الابن الوحيد الجنس الذي تسجد له الملائكة بكرًا لنا:"لأنه لمن من الملائكة قال قط: أنت ابني أنا اليوم ولدتك. وأيضًا أنا أكون له أبًا وهو يكون لي ابنًا. وأيضًا متي اُدخل البكر إلي العالم يقول: ولتسجد له كل ملائكة الله" (عب5:1-7).
لقد صار بكرًا لنا وذلك بتجسده، هذا الذي تسجد له الملائكة، والذي يُدعى دون غيره الابن الوحيد، والذي قيل عنه: "كرسيك يا الله إلي دهر الدهور" (عب8:1).
سادسًا: في نفس الفقرة تحدث سليمان الحكيم عنه: "كنت عنده صانعًا (مدبرُا)" فكيف يكون الصانع أو الخالق وفي نفس الوقت هو صنعة أو خليقة؟ هل يخلق نفسه؟ خاصة وقد قيل عنه: "به كان كل شيء، وبغيره لم يكن شيء مما كان" (يو3:1).
سابعُا: بقوله "من أجل أعماله"، واضح أنه لا يعني خلقة جوهره، بل تدبير التجسد الإلهي، لأن العمل يأتي بعد وجود الكائن وليس العكس. فهنا تعبير "خلقني" يشير إلي العمل لا إلي وجود جوهره. وقد استخدم الكتاب المقدس تعبير الخلقة عن العمل في مواضع كثيرة، منها:
"قلبًا نقيًا اخلقه فيّ يا الله" (مز10:51)، فالمرتل لا يطلب من الله أن يخلق فيه كائنًا جديدًا، إنما أن يعمل فيه فيجدد قلبه.
"لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة" (أف20:2). هذا لا يعني أننا قد متنا بالجسد ثم عاد فخلقنا، لكنه جدد طبيعتنا فصارت كمن ماتت وأعاد خلقتها في المسيح يسوع .
وبمقارنة رو14:13 مع أف24:4 يظهر إننا نلبس المسيح بمعني عمله الخلاصي: "البسوا الرب يسوع " (رو14:13)، "البسوا الإنسان الجديد المخلوق علي شاكلة الله" (أف24:4).
إذ يُعرِّف الرب جوهره أنه الحكمة الابن الوحيد المولود من الآب، الأمر الذي يختلف عن الأشياء التي لها بداية ومخلوقات طبيعية، قال في محبته للإنسان: "الرب قناني أول طرقه"، وكأنه يقول: "أعد لي أبي جسدًا، وقناني للبشر لأجل خلاصهم".
لأنه كما عندما يقول يوحنا: "الكلمة صار جسدًا" (يو14:1)، لا نفهم أن الكلمة كله صار جسدًا، لكنه لبس جسدًا وصار إنسانًا. وعندما نسمع: "صار المسيح لنا لعنة لأجلنا"، "جعله خطية لأجلنا الذي لا يعرف خطية" (غلا13:3؛ 2كو21:5)، لا نفهم ببساطة أن المسيح كله صار لعنة وخطية، بل حمل اللعنة التي كانت ضدنا (كما قال الرسول: "خلصنا من اللعنة". وكما قال إشعياء: "حمل خطايانا"، وكتب بطرس: "حملها في الجسد على الخشبة" (غلا13:3؛ إش4:53؛ 1بط24:2)، هكذا إذ قيل في الأمثال: "خلقني" لا يليق بنا أن نفهم أن الكلمة كله بطبيعته مخلوق، إنما أخذ جسدًا مخلوقًا وأن الله (الآب) خلقه من أجلنا، معدًا له الجسد المخلوق، كما هو مكتوب أنه من أجلنا يمكننا فيه أن نتجدد ونتأله.
ما الذي خدعكم يا من في جهالة تدعون الخالق مخلوقًا؟[195]
البابا أثناسيوس الرسولي
V مرة أخرى فإن الحكمة ذاتها تتحدث عن سرّ الجسد المتَّخذ فتقول: "الرب خلقني". بالرغم من أن النبوة هنا عن أمور مقبلة، لكن لأن مجيء الرب سبق فتعين لم يقل "يخلقني" بل "خلقني"، حتى يؤمن البشر بأن جسد يسوع المولود من العذراء مريم حدث مرة واحدة وليس مرارًا[196].
القديس أمبروسيوس
إذ يتحدث حكمة الله عن تجسده لتحقيق خطة خلاص البشرية، يفتح طريق الخلاص ويكون البكر الذي يحمل البشرية ليدخل بها إلي أمجاده. بهذا دعي نفسه: "أنا هو الطريق" (يو14:6).
لأن المسيح لا يرغب فقط في تقديم ذاته للذين أكملوا الرحلة، بل أن يكون هو نفسه الطريق للذين يبدأون الرحلة، مصممًا أن يأخذ جسدًا. لذلك جاء تعبير: "الرب قناني بدء طرقه"، بمعنى أن الذين أرادوا أن يأتوا يلزمهم أن يبدأوا رحلتهم فيه[197].
القديس أغسطينوس
V مرة أخرى كما قال سليمان الحكيم في الأمثال: "قناني". وقال "بدء الطريق" عن الأخبار السارة التي تقودنا إلى ملكوت السموات، ليس في الجوهر والكيان مخلوقًا، بل صار "الطريق" حسب التدبير. إذ صارت الكلمتان "مصنوعًا" و"مخلوقًا" تحملان نفس المعنى. إذ صُنع طريقًا، والباب والراعي والملاك والقطيع، وأيضًا رئيس الكهنة، والرسول، أسماء أخرى تُستخدم بمعانٍ أخرى[198].
القديس باسيليوس الكبير
"منذ الأزل مُسحتُ منذ البدء منذ أوائل الأرض" [23].
"إذ لم يكن غمرٌ أُبدئتُ إذ لم تكن ينابيع كثيرة المياه" [24].
"من قبل أن تقررت الجبال قبل التلال أُبدئت (ولدني LXX)" [25].
"إذ لم يكن قد صنع الأرض بعد ولا البراري ولا أول أعفار المسكونة" [26].
"لما ثبَّتَ السموات كنت هناك أنا،
لما رسم دائرة على وجه الغمر" [27].
"لما اثبتَ السحب من فوق،
لما تشددت ينابيع الغمر" [28].
"لما وضع للبحر حده فلا تتعدى المياه تخمه،
لما رسم أسس الأرض" [29].
يؤكد الحكمة الإلهي أنه كان موجودًا قبل الأمور الآتية:
V كل الخليقة [22].
V وجود الأرض [23].
V أعماق ينابيع المياه [24].
V تأسيس الجبال والتلال [25].
V الأرض وأعفار المسكونة [26].
V السماء والسحب [28].
V قوانين الطبيعة [29].
وجد القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات في هذه الفقرات غني حب الخالق له، فترنم قائلاً:
[أقمت السماء لي سقفًا،
وثبَّت لي الأرض لأمشي عليها.
من أجلي ألجمت البحر،
من أجلي أظهرت طبيعة الحيوان،
أخضعت كل شئ تحت قدميَّ،
ولم تدعني معوزًا شيئًا من أعمال كرامتك".]
ويقول القديس أنبا أنطونيوس الكبير:
[العالم تصونه العناية الإلهية إذ لا يوجد مكان لا تدركه هذه العناية.
والعناية الإلهية هي تنفيذ مواعيد الكلمة الإلهي، الذي يهب شكلاً للمادة التي يتكون منها هذا العالم، وهو المهندس والفنان لهذا كله. ما كان يمكن للأشياء أن تأخذ جمالها لولا فطنة قوة الكلمة الذي هو صورة الله (الآب) وعقله وحكمته وعنايته.[199]]
خطة الخلاص ليست جديدة، لكنها سابقة للخلقة ذاتها، فقبل السقوط كان الله يعد للإنسان قيامه، وتعيَّن الحكمة الإلهي مسيِّا إسرائيل ومخلص العالم كله. لقد أكد أنه ليس فقط قبل خلقة الإنسان دبَّر الفداء، وإنما حتى قبل خلقة العالم فقد أوضح دوره في الخلقة. ذاك الذي أحب الإنسان وخلق العالم لأجله، قبل التجسد وقدم حياته فداءً عنه.
يعلق كثير من الآباء على ما ورد في الترجمة السبعينية: "قبل أن يصنع الأرض، ويثبت الجبال، قبل كل التلال ولدني" [24،25 LXX].
V بحسب الهيئة كإله قيل: "قبل التلال ولدني"، أي قبل كل علو للأشياء المخلوقة، و"قبل الفجر ولدتك" (مز3:110 (Vulgate ، أي قبل كل الأزمنة والأشياء الوقتية. لكن إذ (ظهر) في شكل العبد قيل: "الرب خلقني في بدء طرقه" [22].
بكونه في شكل الله يقول: "أنا هو الحق"، وفي شكل العبد: "أنا هو الطريق" (يو6:14).
لأنه هو نفسه بكونه بكرًا من الأموات (رؤ5:1) عبر إلى ملكوت الله للحياة الأبدية لأجل كنيسته، بكونه الرأس ليجعل الجسد أيضًا خالدًا[200].
القديس أغسطينوس
V يلزمنا أن نسأل ما هو معنى القول بأن الله (الكلمة) مولود قبل كل الدهور، وأيضًا خُلق لأجل بدء طرق الله ولأجل أعماله. بالتأكيد قيل هذا لأنه وُجد ميلاد قبل بدء العصور ولكن حين يتحدث عن خِلقةٍ في بدء العصور لأجل طرق الله ولأجل أعماله ينطبق هذا على السبب الخلاَّق للأعمال والطرق.
أولاً: حيث أن المسيح هو الحكمة، يلزمنا أن ننظر إنه هو نفسه كان بدء طرق أعمال الله. أظن أنه لا يوجد شك في هذا ، إذ يقول: "أنا هو الطريق، لا يستطيع أحد أن يأتي إلى الآب إلا بي"... لذلك خُلق لأجل بدء طرق الله وأعماله، لأنه هو الطريق ويقود البشر إلى الآب
ثانيًا: لقد خُلق من أجل أعمال الله من بدء العصور عندما أخضع نفسه لشكل الخليقة المنظورة، حاملاً شكل كائنٍ مخلوقٍ[201].
القديس هيلاري أسقف بواتييه
V لا يرتبك أحد من الكلمات: "قبل العالم" و"قبل أن يخلق الأرض"، و"قبل أن استقرت الجبال" فإنه يوجد هنا تلميح إلى التدبير حسب الجسد. فمع أن النعمة التي حلّت علينا من المخلص قد ظهرت الآن كما يقول الرسول، وجاءت عندما حلّ بيننا، لكن هذه النعمة قد أُعدت حتى قبل أن نوجد. بلى، أُعدت قبل تأسيس العالم، أما عن السبب فهو حنوه العجيب[202].
البابا أثناسيوس الرسولي
"إذ لم يكن قد صنع الأرض بعد ولا البراري ولا أول أعفار المسكونة" [26].
"لما ثبت السموات كنتُ هناك أنا،
لما رسم دائرة على وجه الغمر" [27].
V حكمة الله الذي به كل شيء قد صُنع، كان هناك، الحكمة نفسه يعمل في النفوس المقدسة ويجعلهم أصدقاء الله، وأنبياءه ويحدثنا عن أعماله في هدوء.
القديس أغسطينوس
V لنتعلم أيضًا أن الآب كان معه، وكان هو مع الآب عندما خُلقت كل الأشياء.
يقول الحكمة: "لما أَعدَّ السماوات كنت معه، عندما صنع ينابيع المياه".
وفي العهد القديم إذ يقول الآب: "لنصنع" أظهر أن الابن يجب أن يُسجد له معه كصانع كل الأشياء، إذ قيل أن هذه الأشياء قد خلقت بالابن.
القديس أمبروسيوس
V من كان معه عندما خلق كل الوجود إلا حكمته، الذي يقول: "عندما صنع السماء والأرض كنت معه"؟ بإشارته إلي السماء والأرض يشير إلي كل المخلوقات التي في السماء والأرض. إذ كان حاضرًا معه بكونه حكمته وكلمته، يتطلع إلي الآب خالقًا المسكونة، ومنظمًا لها ومعطيًا إياها نظامها، وهو قوة الآب، يهب كل الأشياء القوة، وكمخلص يقول: "كل ما أراه الآب فاعلاً افعله أنا أيضًا" (يو29:5؛ 16:1). وقد عَلِم تلاميذه القديسون أن كل الأشياء قد خُلقت به وله.
القديس أثناسيوس الرسولي
4. الحكمة الخالق والمخلص
"كنت عنده صانعُا (مدبرًا) " [30].
يؤكد أقنوم الحكمة الإلهي دوره في الخلقة. وكما يقول الإنجيلي يوحنا: "به كان كل شيء، وبغيره لم يكن شيء مما كان" (يو3:1) ويقول الرسول بولس: "الذي به عمل العالمين" (عب2:1)؛ "فإنه فيه خُلق الكل ما في السماوات وما علي الأرض، ما يُري وما لا يُري سواء كان عروشًا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين، الكل به وله قد خلق" (كو16:1).
"وكنت كل يوم لذته، فَرِحة دائمًا قدامه" [30].
يؤكد علاقة الحب المتبادل بين أقنومي الآب والحكمة، فإن كان الآب خطط ليقوم الابن بالخلاص، هذا لأن لذة الآب في ابنه، ولذة الابن في أبيه. فالفداء الذي يقوم به الابن "حكمة الله" يُنسب للآب كقول السيد المسيح : "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد" (يو16:3). فقيام الحكمة بالفداء هو بذل للآب أيضًا محب الحكمة والواحد معه.
V إنني أنا الذي يتلذذ به (الآب). علاوة على هذا كنت كل يوم لذته قدامه.
لقد كان يبتهج بالعالم الذي خلقه، وببني البشر
يوجد مع الله الحكمة المولود قبل العوالم، وليس فقط حاضرًا معه، بل ينظم معه العوالم
لاحظ عمله في تدبير الأمور وتنظيمها. الآب بأمره هو العلة ، والابن بالتنفيذ لما صدر من أوامر يدبر وينظم. التمايز بين الأقنومين قائم في العمل الذي لكل منهما.
عندما قيل : "لنعمل" (تك26:1) عُرفت الخليقة بكلمة الأمر، وعندما كُتب "كنت عنده مدبرًا"، يعلن الله أنه لم يصنع منعزلاً (عن الابن). لأنه كان فرحه قدامه فرح بالعالم الذي صنعه وببني البشر.
يخبرنا الحكمة عن سبب فرحه. أنه يفرح لفرح الآب، الذي يفرح بإتمام خلقة العالم وبني البشر. فقد كُتب: "ورأي الله كل شيء أنه حسن" (تك 10:1 ، 12 ،31 ) حكمته شريك معه في العمل ويفرح معه إذ يكمل العمل.
القديس هيلاري أسقف بواتييه
V ألا يُحسب كفرًا القول بأنه وُجد وقت لم يكن فيه حكمة الله موجوداً؟! لقد قال: "كنت معه مدبرًا، كنت لذته كل يوم".
أو القول بأن قوة الله لم تكن موجودة أو كلمته أو ما غير ذلك مما يُعرف به الابن؛ أو يشير إليه الآب، أليس هذا خطأ؟!
من يقول إن بهاء مجد الآب لم يكن موجودًا في وقت ما، يحطم النور الأصلي الذي هو البهاء....
البابا الكسندروس السكندري
V لذلك فإن البهاء السرمدي يشرق أمامه ويوجد معه، في ذات الوجود الذي بلا بداية، وهو مولود دائمًا، ودائمًا يشرق أمامه. إنه الحكمة القائل "كنت معه لذته، كنت لذته دائماً أمام وجهه..."
القديس ديونسيوس الكبير
V حكمته هو الذي فيه لذته دائمًا كما بروحه. أنه واحد معه كنفسٍ لله، ويمتد كيدٍ لتشكل المسكونة.
العظات الاكلمندية
"فَرِحَةً في مسكونةِ أرضه،
ولذاتي مع بني آدم" [31].
إن كان الحكمة يعلن عن أنه موضوع لذة الآب، بكونه الواحد معه والخالق، فإنه بدوره يجر لذته فينا نحن خليقته التي عصته وتمردت عليه.
5. الحكمة واهب الطوبى
أخيرًا بعد أن أعلن الحكمة عن خطة تجسده الصادرة عن حبه وحب الآب لبني البشر، وعن رغبته أن نكون موضع سروره ولذته يدعونا للاستماع إليه وإلي قبوله، فننعم بالحياة المطَّوبة.
يقول السيد المسيح : "الحق الحق أقول لكم إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يري الموت إلي الأبد" (يو51:8).
"فالآن أيها البنون اسمعوا لي،
فطوبى للذين يحفظون طرقي" [32].
"اسمعوا التعليم وكونوا حكماء ولا ترفضوه" [33].
"طوبى للإنسان الذي يسمع لي ساهرًا كل يوم، عند مصاريعي،
حافظا قوائم أبوابي" [34].
V من له النور يسهر "والظلمة لا تدركه" (يو5:1)، ولا ينام، حيث لا توجد ظلمة.
من يستنير يكون يقظًا من جهة الله، هكذا يعيش.
القديس اكليمنضس السكندري
6. الحكمة واهب الحياة
"لأنه من يجدني يجد الحياة وينال رضى (إرادة) من الرب" [35].
يسألنا حكمة الله ليس فقط أن ننصت إليه بل أن نجده فنقتنيه، وكما يقول السيد المسيح: "الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية" (يو36:3).
يقدم الحكمة ذاته للنفس البشرية، وعليها أن تبحث عنه فتجده. هنا البحث يعني الإرادة، إذ لا يقتحم الحكمة النفس البشرية بغير إرادتها، إنما إذ تطلبه بكامل حريتها تجده حاضراً. هذه الإرادة المقدسة هي أيضاً عطية من الله كقول الرسول: "لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل مسرته" (في13:2).
V بالنسبة للإنسان ليس حسن ألا يريد، ولكن بنعمة الله ينال عونًا لكي يريد، فإنه ليس باطلاً كُتب: "لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل مسرته" (في13:2)؛ وإن " الإرادة معدة بالله".
القديس أغسطينوس
7. بؤس رافضي الدعوة
"ومن يخطئ عني يضر نفسه،
كل مبغضي يحبون الموت" [36].
يقول السيد المسيح نفسه: "الذي لا يؤمن بالابن لن يري حياة، بل يمكث عليه غضب الله" (يو36:3). كما يقول: "لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويُحي كذلك الابن أيضًا يُحي من يشاء" (يو20:5). ويقول يوحنا الحبيب: "من له الابن فله الحياة، ومن ليس له ابن الله فليست له الحياة" (1يو12:5).

من وحي الأمثال 8
لأقتنيك فأتمتع بالحياة!
V صوتك يدوي في آذنيَّ الداخليتين.
لأرتفع معك على قمم الجبال العالية،
فأتمتع ببهاء مجدك على جبل طابور،
وأنعم بدمك الطاهر على جبل الجلجثة،
واختبر عشرة الملائكة على جبل التجربة.
V إذ أجد نفسي تائهُا،
أراك واقفًا على الطريق،
تنتظرني في مفارق الطرق،
تحملني في طريقك الملوكي،
وتدخل بي إلى حضن أبيك.
V عندما تئن نفسي من الضيق،
عند الأبواب أجدك قاضيًا عادلاً!
تسمع لكل متاعب نفسي،
وحين يظلمني العالم أجدك مدافعًا عني!
V لأسمع صوتك فأتمتع بحكمتك.
حكمتك هي الطعام النازل من السماء.
تشبع نفسي وترويها.
تهبني حياة فائقة،
كل كنوز العالم تتصاغر جدًا أمامها.
V لأقتنيك يا حكمة الله، يسوعي المحبوب!
فأحب الصلاح وأبغض كل الشرور.
تهبني مشورة صالحة وقوة مع كرامة.
تملأ مخازن نفسي ببركات لا تفني!
V من أجلي تجسدت وصرت إنسانًا،
التقي بك كمخلصٍ وصديقٍ شخصي.
أنت موضع سرور الآب،
جعلتني موضوع سرورك ولذتك كل يوم!
V لأقتنيك فأقتني النور،
لا يكون بعد فيَّ ظلام ولا ليل،
ولا تغفو عيني بل أبقي ساهرًا.
أتمتع بالحياة المطوبَّة،
أنال شركة الطبيعة الإلهية!
V نعم من يجدك يجد الحياة الأبدية!
ومن يخطئ إليك إنما يقتني الموت!
أنت حياتي وفرحي ومجدي!


ملحق أم 22:8
"الرب قناني"
للقديس البابا أثناسيوس الرسولي
مع آباء آخرين


"الرب قناني أول طريقه
من أجل أعماله
منذ القدم"
[22:8].

تفسير القديس البابا أثناسيوس الرسولي لهذه العبارة له أهمية خاصة للرد على شهود يهوه المعاصرين، والذين تبنوا الأفكار اللآريوسية الخاصة بشخص السيد المسيح، لذلك منعًا من الإطالة استحسنت أن أخصص ملحقًا خاصًا بهذه العبارة.
يلاحظ في أحاديث البابا أثناسيوس منهجه الخلاصي الرائع، فمع دخوله في حوارٍ لاهوتيٍ، كان ما يشغل ذهنه هو خلاص الإنسان وتمتعه بشركة الأمجاد الأبدية. ففي تأكيده الميلاد الأزلي ووحدة جوهر الكلمة مع الآب، ركّز على عمل السيد المسيح الخلاصي خلال تجسده. قدم لنا بحق صورة رائعة وعذبة لمحبة الله الفائقة ولذته في بني البشر.
قام المرحوم صموئيل كامل عبد السيد مع الدكتور نصحي عبد الشهيد بتعريب المقالة ونشرها. وقد استحسنت أن اقتبس كثيرًا من العبارات عن هذه الترجمة لمركز دراسات الآباء بالقاهرة (أكتوبر 1987).

أهمية العبارة
شغلت العبارة "الرب قناني (خلقني) أول طرقه لأجل أعماله(أم22:8) قلب البابا أثناسيوس الرسولي، وقد كرّس أغلب مقاله الثاني ضد الأريوسيين لشرح هذه العبارة. كتب ثلاثة فصول كمقدمة لتفسيرها (فصول16-18)، وأربعة فصول في تفسير العبارة (19-22).
يقول البابا أثناسيوس عن الأريوسيين: [إذ ملأوا كل مكان بهذا القول المأخوذ من الأمثال، يبدو لدى كثيرين من الذين يجهلون العقيدة المسيحية أنه يعني شيئًا ما، لذلك من الضروري أن نفحص لفظ "خلق" لكي يظهر للجميع أنهم في هذا الأمر كما في غيره ليس لديهم سوى الخيال[203].]
عرض البابا أثناسيوس الرسولي تفاسير الأريوسيين للعبارة وقام بالرد عليهم، موضحًا أن تفاسيرهم جاءت لخدمة أفكارهم الخاصة، ولا تتفق مع بقية أسفار الكتاب المقدس ولا مع روحه. وقدم التفسير اللائق بالعبارة، جاء هذا التفسير يحمل روح الكتاب ليُعلن بكل قوة سرّ الخلاص، وعمل حكمة الله المتجسد في حياتنا.
سفر رمزي
يوضح البابا أثناسيوس أن سفر الأمثال سُجل بلغة الرمز، لهذا لا يليق أن تؤخذ آية واحدة وتُفسر بمعناها الظاهر، بل يلزم الدخول إلى أعماق العبارة واكتشاف المعنى السرّي الخفيّْ.
كُتب: "الرب خلقني أول طرقه من قبل أعماله"؛ على أي الأحوال هي أمثال، عُبر عنها بطريق الأمثال، فلا يجوز لنا تفسيرها بمعناها الظاهر، بل نسأل بتقوى إدراك معناها فما يُقال في "الأمثال" لا يُقدم بوضوح بل بطريقة كامنة، وذلك كما يُعلمنا الرب نفسه في الإنجيل بحسب يوحنا: "تكلمت بهذه الأمور بأمثالٍ ولكن يأتي الوقت الذي لا أعود أتكلم فيه بأمثال بل علانية" (أنظر يو25:6). لهذا وجب أن نكشف عن المعاني ونبحث عنها كأمرٍ خفيٍّ، وليس بطريقة واضحة، فتُفسر كما لو كان المعنى واضحًا، لئلا بالتفسير الخاطئ نضل عن الحق.
لو كان الحديث المكتوب عن ملاكٍ أو أي شيء آخر مما له بداية أو عن واحدٍ منا نحن أعماله، لتُفهم: "خلقني". لكن إن كان الحديث عن "حكمة الله، الذي فيه خُلق كل ما هو له بداية، فيتحدث عن الحكمة ذاتها ألا يلزمنا أن نفهم تعبير "خلقني" دون أن تحمل أي تعارض مع تعبير "ولدني"؟ فلا ننسى أن "الحكمة" هو الخالق والصانع، ولا نجهل الفارق بين الخالق والمخلوقات، فلا يُحصى بين المخلوقات، بل تعني معنى آخر. فإذ ذُكرت في الأمثال، لا يُؤخذ المعنى الواضح بل الكامن الذي أُوحي للقديسين لاستخدمه في النبوة.
لقد جاء معنى "خلقني" بعد ذلك مباشرة في موضع آخر، فيقول: "الحكمة بنت بيتًا". الآن واضح أن جسدنا هو بيت الحكمة الذي أخذه الحكمة لنفسه ليصير إنسانًا، لهذا يقول يوحنا بوضوح: "الكلمة صار جسدًا" (يو14:1)...
في هذه العبارة [22]، لا يعني جوهر لاهوته، ولا ولادته الأزلية الأصلية من الآب عندما يتكلم الكلمة بواسطة سليمان، بل يعني الجانب الآخر، أي تدبيره من أجلنا. وكما سبق فقلت لم يقل: "أنا مخلوق” أو "صرت مخلوقًا"[204]
البابا أثناسيوس الرسولي
قناني وليس خلقني
قلنا أن بعض الآباء مثل القديس غريغوريوس أسقف نيصص يؤكدون أن الكلمة العبرية لا تعني "خلقني" بل "اقتناني possessed Me " .
V إن بعضًا من الذين لهم باع في اللاهوت بدقة يقولون أن النص العبري لا يُقرأ "خلقني". ونحن أنفسنا نقرأ في كثير من النسخ القديمة "قناني possessed" بدلاً من "خلقني".
بالتأكيد "اقتناء" في اللغة الرمزية للأمثال تخص العبد، الذي لأجلنا "أخذ شكل عبد" (ف 7:2). ولكن إن كان أحد يُصر على هذه العبارة كما تُقرأ في الكنائس، فنحن لا نرفض حتى تعبير "خلق". فإن هذا أيضًا لغة رمزية تُشير إلى "العبد"، وذلك كما يُخبرنا الرسول: "كل الخليقة مستعبدة" (رو20:8). هكذا نقول أن هذا التعبير، كما الآخر يحمل تفسيرًا مستقيمًا (أرثوذكسيًا). فإن ذاك الذي صار لأجلنا مثلنا، خُلق حقيقة في أواخر الأيام؛ ذاك الذي في البدء هو الكلمة والله، قد صار جسدًا وإنسانًا.
فإن طبيعة الجسد مخلوقة، وباشتراكه فيها في كل جوانبها مثلنا بدون خطية، خُلق عندما صار إنسانًا، وخلق "حسب الله" (أف24:4) لا حسب الإنسان كقول الرسول، بطريقة جديدة وليس بزرعٍ بشريٍ.
لقد تعلمنا أن هذا "الإنسان الجديد" قد خُلق بالروح القدس وبقوة العليّ، هذا الذي يأمرنا بولس الناطق بأسرار لا يُنطق بها أن نلبسه، مُستخدمًا تعبيرين ليُعبر عن الثوب الذي نرتديه، قائلاً في موضع: "البسوا الإنسان الجديد المخلوق حسب الله"، وفي موضعٍ آخر "البسوا الرب يسوع المسيح" (رو4:13). فإن الأمر هكذا أنه صار لنا ذاك الذي قال: "أنا هو الطريق" (يو6:14)، هذا الذي لبسه في أول طرق الخلاص، ليجعلنا عمل يديه، ويُشكلنا من جديد من التربة الشريرة بالخطية لنصير على صورته. إنه في نفس الوقت أساسنا قبل مجيء العالم، وذلك ككلمات بولس الرسول: "لا يستطيع أحد أن يضع أساسًا آخر غير الذي وُضع" (1كو11:3). وبحق: "لم تكن ينابيع كثيرة المياه، من قبل أن تقررت الجبال، قبل التلال ولدني" (أم23:8-5 LXX)[205].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
حمل الحكمة الإلهي جسدًا مخلوقًا
يقول البابا أثناسيوس الرسولي في رده على الأريوسيين أن الكلمة الإلهي، الواحد مع الآب في الجوهر والخالق، قبِل جسدًا مخلوقًا. هذا هو تدبير خلاصنا الذي وضعه الحكمة قبل الخلقة. لهذا لا نعجب إن قيل عن السيد المسيح أنه "العبد، والحمل، والإنسان الخ".
V يقول (الأريوسيون): مكتوب: "الرب خلقني أول طرقه من قِبَلْ (أجل) أعماله" [22].يا لكم من جهال وبلا إدراك! لقد دُعي في الكتاب المقدس: عبدًا (مز16:116)، وابن الأَمَة، وحملاً، ونعجةً (إش7:53)، وقيل أنه تعب، وعطش، وشَرِبَ وتألم. لكن يوجد أساس واضح وقوي لماذا قُدم هكذا في الكتاب المقدس؛ هذا لأنه صار إنسانًا وابن الإنسان، وأخذ شكل العبد، أيضًا الجسد البشري، لأن "الكلمة صار جسدًا" (يو14:1).
إذ صار إنسانًا لا يتعثر أحد من هذه التعبيرات، فإنه يليق بالإنسان أن يُخلق ويُولد ويتشكل ويتعب ويتألم ويموت ويقوم من بين الأموات.
بكونه كلمة الآب وحكمته له جميع خصائص الآب: أزليته، عدم تغيره، وأنه مثله في كل الأمور، لا يسبقه ولا بعده، شريك الآب في الوجود، واحد معه في اللاهوت، وهو الخالق غير المخلوق... وإذ صار إنسانًا، وحمل جسدًا بالضرورة يُقال عنه أنه مخلوق، الأمر اللائق بكل جسد.
على أيّ الأحوال هؤلاء يُشبهون تجار خمر يهود الذين يمزجون الخمر بالماء، إذ يهينون الكلمة، ويُخضعون لاهوته لمفاهيمهم الخاصة بالمخلوقات[206].
البابا أثناسيوس الرسولي
V بخصوص شخصه فهو بحق شخص المخلص. لكن قيل عنه عندما أخذ جسدًا: "الرب خلقني أول طرقه من قِبَلْ أعماله". فإنه يليق بابن الله أن يكون أزليًا، في حضن الآب؛ وإذ صار إنسانًا صار يليق به الكلمات "الرب خلقني".
لقد قيل عنه أنه أيضًا جاع وعطش وسأل عن موضع لعازر وتألم وقام. وعندما نسمع عنه أنه الرب والله والنور الحقيقي نفهم أنه كائن من الآب. وعندما نسمع "الرب خلقني"، و"العبد" و"تألم"، بعدل نقول هذا لا عن اللاهوت إذ لا يُقارن بمادة، إنما نفسر ذلك بخصوص الجسد الذي أخذه لأجلنا، فإن هذه الأمور لائقة به، وهذا الجسد ليس إلا جسد الكلمة[207].
V يليق بنا أن نقول بأن الابن هو الابن الحقيقي للآب الحقيقي، فنعبد (الله) الآب والابن، ولا نُدان كمن يعبد إلهًا غريبًا. أما الذين يقتبسون من الأمثال العبارة "الرب خلقني"، ظانين أنهم بهذا جاءوا ببرهان قوي أن الخالق، صانع كل الأشياء، قد خُلق، فنجيبهم بأن الله الابن الوحيد قد صار لأجلنا أمورًا كثيرة.
فقد كان الكلمة وصار جسدًا، وهو الله وقد صار إنسانًا؛ وكان بدون جسم وصار جسمًا. بجانب هذا صار (من أجلنا) "خطية"، "لعنة"، "حجرًا"، "فأسًا"، "خبزًا"، "حملاً"، "الطريق"، "الباب"، "الصخرة"، وأمورًا أخرى كثيرة، ليس أنه صار بالطبيعة أحد هذه الأمور، إنما صار هكذا لأجلنا من أجل التدبير. لهذا بكونه الكلمة صار لأجلنا جسدًا، وبكونه الله صار إنسانًا. هكذا بكونه الخالق، لأجلنا صار مخلوقًا، لأن الجسد مخلوق.
لذلك قال بالنبي: "هكذا يقول الرب، أوجدني من الرحم عبدًا له". كما قال أيضًا بواسطة سليمان: "الرب قناني أول طرقه من أجل أعماله". فإن كل الخليقة كما يقول الرسول قد اُستعبدت؛ لهذا فإن ذاك الذي تشكَّل في رحم البتول حسب كلمة النبي هو العبد، لا الرب (بمعنى أن الإنسان حسب الجسد الذي فيه أُعلن الله). وأيضًا في العبارة الأخرى ذاك الذي خُلق كبدء طرقه ليس الله، بل الإنسان الذي فيه أُعلن الله لنا لتجديد طرق خلاص الإنسان.
هكذا إذ نعرف أمرين في المسيح ما هو إلهي وما هو بشري، لذلك ننسب السرمدية للاهوت، وما هو مخلوق للناسوت. فبحسب النبي، تشكَّل في الرحم كعبد، وبحسب سليمان أُعلن في الجسد بوسائل الخليقة المستعبدة[208].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
V بالحقيقة كان مُستعبدًا في الجسد وللميلاد ولظروف حياتنا وذلك من أجل تحريرنا؛ من أجل كل هؤلاء الذين يخلصهم الذين كانوا مستعبدين تحت الخطية[209].
القديس غريغوريوس النزينزي

موقف الأريوسيين من العبارة
أساء الأريوسيون استخدام هذه العبارة، مقدمين الثلاثة تفاسير التالية:
1. إنه مخلوق، ولكنه ليس واحدًا من المخلوقات.
2. عندما أراد الله أن يُوجد طبيعة مخلوقة صنع وخلق أولاً واحدًا مفردًا فقط، يُسمى ابنًا وكلمة، عن طريقه كوسيط خلق به كل الأشياء، ذلك لعدم عدم قدرتها على احتمال لمسة يد الآب الشديدة.
3. يُسمى يسوع المسيح الكلمة بسبب الأشياء التي نالت الإدراك، والحكمة بسبب الأشياء التي نالت حكمة، ويُسمى القوة بسبب الأشياء التي اكتسبت قوة.
التفسير الأول للأريوسيين
ينكر الأريوسيون أن كلمة الله واحد مع الآب ومساوٍ له في الجوهر، ويدعون أنه أول الخليقة ومتميز عن كل المخلوقات، وهم في هذا يعتمدون على العبارة التي بين أيدينا. يقول البابا أثناسيوس:
[لقد كتبوا هكذا:
"إنه مخلوق، ولكنه ليس واحدًا من المخلوقات.
إنه مصنوع، لكنه ليس واحدًا من المصنوعات.
إنه مولود، لكنه ليس واحدًا من المولدين[210]."]
رد البابا أثناسيوس
أولاً: تفسير الأريوسيين يحمل تناقضًا؛ كيف يكون السيد المسيح مخلوقًا، وفي نفس الوقت "ليس واحدًا من المخلوقات"؟ فإنهم بهذا يقولون أنه مخلوق وفي نفس الوقت ليس مخلوقًا.
[ما المنفعة من القول من ناحية أنه مخلوق، ومن ناحية أخرى أنه غير مخلوق؟ فإنكم إن قلتم أنه "ليس كواحدٍ من المخلوقات"، فإني أثبت أن مغالطتكم هذه خالية من الحكمة[211].]
ثانيًا: بقولهم أنه متميز عن كل بقية المخلوقات يخطئون، لأن كل خليقة متميزة عن غيرها. فالشمس تختلف عن القمر كما عن الأرض، حتى بين الحيوانات والطيور، كل حيوان أو طائر يتميز عن الأنواع الأخرى من الحيوانات والطيور التي من عائلات أخرى. فبالقول أن كلمة الله متميز عن بقية المخلوقات لا يعني شيئًا، لأن هذا أمر طبيعي بالنسبة لكل المخلوقات.
[إما أن يُستثنى الكلمة من بين المصنوعات، وكخالقٍ يُنسب إلى أبيه ويُعترف به أنه ابن بالطبيعة، أو أن يكون مجرد خليقة، وعندئذ يُعترف بأن له وضعه الخاص مثله مثل المخلوقات الأخرى تجاه بعضها البعض.
فإنه بالنسبة لتلك المخلوقات التي هي بطبيعتها مخلوقة، يمكن أن نجد البعض يتفوق على الآخر "لأن نجمًا يمتاز عن نجم في المجد" (1كو41:15).
فإنه يوجد اختلاف بين سائر المخلوقات عند مقارنتها بعضها ببعضٍ، ولكن ليس معنى هذا أن بعضها سادة والأخرى تتعبد للأسمى منها؛ ولا يكون البعض علة للمصنوعات والأخرى صادرة عنها[212].]
ثالثًا:أكد سليمان في نفس الأصحاح أن الحكمة هو "المدبر" للخليقة، أو "صانعها" وخالقها المهتم بها، دائم العمل من أجلها.
[الكلمة ليس مخلوقًا، فهو الوحيد الذي من ذات الآب، والذي دبر كل الأشياء، وجميعها تسبحه كخالقٍ، كما يقول هو ذاته: "كنت عنده مدبرًا (صانعًا)" (أم30:8)، و"أبي يعمل حتى الآن وأنا أيضًا أعمل" (يو17:5)، إن تعبير "حتى الآن "يدل على أنه موجود ككلمة في الآب منذ الأزل ، لأنه من خاصية الكلمة أن يعمل أعمال الآب، ولا يكون خارجًا عنه. وإن كانت هذه الأشياء التي يعملها الآب يعملها الابن أيضًا، والأشياء التي يخلقها الابن هي مخلوقات الآب، بهذا يكون إما أنه يصنع نفسه ويكون هو خالق نفسه، وهذا غير معقول ومستحيل، أو إن كان يخلق ويعمل مخلوقات الآب، فلا يمكن أن يكون عملاً ولا خليقة[213].]
[لو كان الكلمة ذاته معدودًا بين المخلوقات لما كان في استطاعته أن يخلق كل الأشياء، بل ولا الملائكة أيضًا يستطيعون أن يخلقوا لأنهم هم أيضًا من بين المخلوقات.
لكن إن كان الله قد دعا الأشياء غير الموجودة إلى الوجود بواسطة كلمته الذاتي، فلا يكون الكلمة من بين الأشياء غير الموجودة والتي دُعيت (إلى الوجود)، وإلا فلنبحث عن كلمة آخر بواسطته دعي الكلمة نفسه أيضًا إلى الوجود، لأن كل الأشياء غير الموجودة قد صارت بالكلمة[214].]
بنفس المعنى يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:
V يقول عن الملائكة "الصانع (ملائكته)"، لكن ألم يقل عن الابن "الصانع
بالرغم من تعبيره عن الخلاف بين الملائكة والابن هكذا: القائل عن الملائكة الصانع ملائكته أرواحًا، أما عن الابن "الرب خلقني"، "جعله الله ربًا ومسيحًا" (أم22:8؛ أع36:2). إنه يتحدث لا عن الله الكلمة بل عن التجسد. لأنه عندما أراد أن يعبر عن الفارق الحقيقي، لم يستبعد الملائكة فقط بل وكل القوات العلوية الخادمة.
انظر كيف يميز وبوضوحٍ عظيمٍ بين المخلوقات والخالق، الخدام والرب، الوارث والابن وبين العبيد[215].
القديس يوحنا الذهبي الفم
رابعًا: الكلمة وحده يعرف الآب ويراه. يتميز حكمة الله وكلمته عن بقية الخليقة في أنهلا يستطيع أحد أن يعرف الآب كما هو وأن يراه إلا ذاك المولود منه كأشعة صادرة عن النور، الأمر الذي يؤكد أنه ليس مخلوقًا. شتان ما بين معرفة السمائيين ورؤيتهم للآب وبين معرفة ورؤية الابن الوحيد المولود من الآب أزليًا.
[حيث أن الأرض كلها مملوءة بمعرفته، فإن معرفة الآب هي خلال الابن، ومعرفة الابن من الآب هي واحدة بعينها، ويُسر الآب قائلاً: "كنت عنده… كل يوم لذته، فرحه دائمًا قدَّامي" [30]. هذا أيضًا يبرهن أن الابن ليس غريبًا، بل لائق بجوهر الآب.
ومع أن لذته أيضًا في بني البشر [30]، عند نهاية (خلاص) العالم، كما هو مكتوب في نفس الأمثال، إلا أن هذا له معنى آخر. فإنه حتى هذا الذي به يبتهج ليس لأن فرحًا ما يُضاف إليه، بل إذ يرى الأعمال التي صُنعت على صورته، يفرح الله بسبب صورته.
وكيف يبتهج الابن أيضًا إلا لأنه يرى نفسه في الله؟[216].]
["ليس أحد يعرف الآب إلا الابن" (مت27:10). إذن فالكلمة مختلف عن المخلوقات وهو وحده الذي يعرف الآب ويراه، كما قال: "ليس أحد قد رأى الآب إلا الذي هو من الآب" (يو16:6).[217]]
خامسًا: شهادة الآب له، وسجود الملائكة له، وقبوله الألقاب الإلهية توضح أنه ليس واحدًا من بين المخلوقات، بل الخالق نفسه.
[يظهره الآب أنه ابنه الذاتي والوحيد بقوله: "إنك أنت ابني" (مر7:2)؛ "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (مت17:3)، ولهذا "صارت الملائكة تخدمه" (مت11:4)؛ حيث كان مختلفًا عنهم، وهم يسجدون له…
عندما سجد له التلاميذ قَبِل منهم السجود وأخبرهم من هو قائلاً: "أنتم تدعونني ربًا ومعلمًا، وحسنًا تقولون لأني أنا كذلك" (يو13:13). وحينما قال له توما: "ربي وإلهي" (يو28:20) سمح له بهذا القول، وبالأحرى قبله ولم يمنعه...
ما كان ليُسجد له، أو تُقال عنه تلك الأقوال لو أنه كان بين المخلوقات.[218]]
التفسير الثاني للأريوسيين
يدَّعي الأريوسيون أن الله خلق الابن الكلمة قبل كل الخليقة، ويقوم الابن بخلقة كل المخلوقات السماوية والأرضية. وكأن الله يستنكف أن يمد يده للخلقة، أو أن الخليقة لا تحتمل لمسة يد الله.
[يا لحماقتهم عندما يقولون عنه: "إن الله عندما أراد أن يُوجد طبيعة مخلوقة، ورأى عدم قدرتها على احتمال لمسة يد الآب الشديدة، فإنه يصنع ويخلق أولاً واحدًا مفردًا فقط، ويسميه ابنًا وكلمة، لكن عن طريقه كوسيط، يُوجد به كل الأشياء أيضًا.[219]]
الرد عليهم
أولاً: كان رد البابا أثناسيوس الرسولي عليهم بأن الله لا يستنكف من أن يهتم حتى بعدد شعر رأس الإنسان (لو18:21)، كما يهتم بالعصفور الواحد الذي بلا قيمة في عيني بائع العصافير، ويُلبس عشب الحقل ما هو أجمل من لباس سليمان، فكيف يستنكف من خلقة السماء والأرض؟
[إن كانوا يقولون إن الله يستنكف من أن يخلق الأشياء الأخرى، لهذا صنع الابن فقط، وسلَّم خلقة الأشياء الأخرى للابن كمساعد، فإن هذا يكون غير لائق بالله، لأنه ليس عند الله كبرياء. هؤلاء يخجلهم الرب عندما يقول: "أليس عصفوران يُباعان بدرهمٍ، وواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون إذن أبيكم" (مت29:10) الذي في السموات؟...
فإن لم يكن من غير اللائق بالله أن يعتني بأصغر الأشياء إلى هذه الدرجة، مثل شعرة الرأس والعصفور وعشب الحقل (مت25:6-30) فإنه لا يكون من غير اللائق أن يخلق هذه الأشياء، لأن الأشياء التي هي موضع عنايته هي نفسها التي يكون هو خالقها بكلمته الذاتي[220]].
ثانيًا: يقول البابا أثناسيوس: [مرة أخرى إن كانت الطبيعة بسبب عدم قدرتها أن تحتمل فعل الخلق المباشر من الله، احتاجت إلى وجود وسيط، فالكلمة أيضًا لكونه مخلوقًا ومصنوعًا (حسب قولكم) فإنه يكون هو نفسه في حاجة إلى وسيط لخلقه بسبب كونه واحدًا من الطبيعة المخلوقة التي لا تستطيع أن تحتمل فعل الله، بل يحتاج إلى وسيط، وحتى إن وُجد وسيط للكلمة فستكون هناك حاجة مرة أخرى لوسيطٍ آخر لهذا الوسيط، بذلك يكون من المستحيل أن تقوم للخليقة قائمة[221].]
ثالثًا: إن كان الكلمة قد خُلق لكي يخلق بقية الخليقة، فيكون قد خُلق من أجلنا.
يرى البابا أثناسيوس الرسولي أن العبارة الواردة هنا في سفر الأمثال لا تُشير إلى وجود الكلمة، بل إلى التدبير الخاص بتجسده، فإن المسيح لم يُوجد لأجلنا، وإلا صار هو صورة منّا ليُمجدنا، وإنما التدبير الخاص بتجسده تم لأجلنا ليُحقق خلاصنا فنحمل صورته. لقد ركز البابا أثناسيوس الرسولي في هذه العبارة على القول "من أجل أعماله" فإن التجسد، وليست "ولادة الكلمة الأزلية"، هو من أجل الإنسان.
أوضح البابا أثناسيوس أن الإنسان لم يُخلق لكي يعمل، إنما خُلق لأجل ذاته وبعد ذلك يعمل، هكذا حكمة الله لم يُوجد لكي يعمل، بل هو الكائن الأزلي وقد قبل بحبه أن يقوم بعمل الخلاص، مختفيًا في الناسوت لكي يُحرر الإنسان المُستعبد ويرده إلى الأحضان الإلهية.
[لأنه إن كان يقول أنه قد خٌلق "لأجل الأعمال" فإنه لا يريد أن يشير إلى جوهره، بل إلى التدبير الذي صار لأجل أعماله، وهو الأمر الذي يكون تاليًا لوجوده.
لأن آدم خُلق لا لكي يعمل بل لكي يوجد أولاً كإنسان، بعد ذلك تلقى أمرًا أن يعمل.
ونوح خُلق ليس من أجل الفلك، بل ليوجد أولاً ويصير إنسانًا، بعد ذلك تلقى أمرًا أن يصنع الفلك.
ومن يبحث ويفتش فإنه سيجد نفس الشيء مع كل واحد من المخلوقات. لأن موسى العظيم أيضًا كان إنسانًا أولاً وبعد ذلك عُهد إليه بقيادة الشعب.
هكذا هنا أيضا من الممكن أن نفهم نفس الشيء لأنك تري أن الكلمة لم يُخلق لكي يكون له وجود بل "في البدء كان الكلمة"، لكنه بعد ذلك أُرسل "لأجل الأعمال" وتدبير خلاصها. لأنه من قبل أن توجد "الأعمال" كان الابن موجودًا دائمًا ولم تكن هناك أية حاجة لكي يخلق، وعندما خلقت "الأعمال"، وصارت الحاجة ماسة بعد ذلك إلي تدبير إصلاحها، عندئذ قدم الكلمة ذاته لكي ينزل ويصير مشابهًا "للأعمال". وهذا ما يوضح لنا معنى لفظ "خلق".
لأنه يريد أن يثبت التشابه فإنه يقول مرة أخري بإشعياء النبي: "الآن هكذا يقول الرب الذي شكَّلني من الرحم لأكون له عبدًا، لأرجع إليه يعقوب وإسرائيل. وأجمعهم جميعًا وأتمجد أمام الرب" (إش5:49 LXX).
انظر هنا أيضًا إنه يتَّشكل لا بوجوده بل لكي يجمع الأسباط التي كانت موجودة قبل أن يتشَّكل. فكما في العبارة السابقة (أم2:8) جاءت العبارة "خلقني"، يقول هنا "شكّلني"، وكما قال هناك "من أجل أعماله" يقول هنا "ليجمع معًا"، حتى يظهر من كل ناحية أنه "خلقني" أو"شكّلني" جاءت لاحقة لوجود الكلمة. فكما قبل أن يتَّشكل كانت الأسباط موجودة التي لأجلها تَّشكل، هكذا يبدو أن الأعمال موجودة التي من أجلها خُلق.
وعندما "كان الكلمة في البدء" لم تكن "الأعمال" موجودة بعد كما سبق أن أشرت، وعندما صارت "الأعمال" وأصبحت الحاجة ملحة، عندئذ قيلت لفظة "خلق".
ذلك كما لو كان هناك ابن وعندما فقد العبيد وسقطوا في أيدي العدو بإهمالهم وصاروا محتاجون إلى عمل عاجل، أُرسل الابن بواسطة أبيه ليُخلصهم ويردهم، وقد ارتدى زيَّا مثلهم وتشكل مثلهم، كي لا يتعرف عليه المسئولون أنه السيد فيهربوا. إنه يخفي نزوله ويكتشف الكنوز التي خبّأوها تحت الأرض. وعندئذ إذا سأله أحد، لماذا فعلت هذا؟ يجيب قائلاً: "أبي شكَّلني هكذا وأعدّني لأجل أعماله". وكأنه بهذا القول لا يعني أنه عبد ولا أنه واحد من أعماله. ولا يتحدث عن بدء ميلاده، بل عن المهمة الموكلة إليه فيما بعد "من أجل الأعمال".
بنفس الطريقة أيضًا فإن الرب لبس جسدنا، "وُجِد في الهيئة كإنسان" (في8:2). فلو أنه سُئل من الذين رأوه وتعجبوا لكان يقول لهم: "الرب خلقني أول طرقه لأجل أعماله" و"جبلني لكي أجمع إسرائيل". هذا ما يقوله الروح في المزامير: "أقمته على أعمال يديك". وهذا الأمر هو ما يشير به الرب عن ذاته قائلاً: "أنا أقمت ملكًا بواسطته على صهيون جبله المقدس" (مز6:2). وكما أنه حينما "أشرق جسديًا" على صهيون لم يكن هذا له بداية وجود أو مُلك، بل لكونه كلمة الله وملكًا أبديًا، فإنه حُسب مستحقًا من الناحية البشرية أن تشرق مملكته على صهيون أيضًا، لكي بعد أن يفديهم ويفدينا من الخطية المتملكة عليهم، يجعلهم في مملكته الأبوية.
هكذا إذ أقيم من أجل الأعمال، فإن هذا ليس من أجل الأشياء التي لم تكن موجودة بعد، بل من أجل الأشياء التي كانت موجودة عندئذ وكانت في حاجة إلى إصلاح[222].]
[تقولون أن الله، إذ أراد خلقة الطبيعة الأصلية وتحريرها دبَّر وخلق الابن حتى خلاله يُشكِّلنا.
الآن إن كان الأمر هكذا انظروا أيضًا أنه لَكُفرٌ عظيم أن تتجاسروا على النطق به.
يظهر الابن أنه جاء إلى الوجود من أجلنا وليس نحن لأجله، لأننا لم نُخلق من أجله، بل خُلق هو لأجلنا، لذا فهو مدين لنا بالشكر وليس نحن... نحن خُلقنا على صورة الله ولمجده، وأما الابن فهو صورتنا ووُجد لمجدِنا. نحن جئنا إلى الوجود لكي نوجد، أما كلمة الله فقد وُجد - كما يلزم أن تقولوا - لا ليوجد، بل كأداة لاحتياجاتنا، فليس نحن منه، بل هو نشأ لاحتياجنا. أليس من يتمسك بمثل هذه الأفكار يكون أكثر من جاهلٍ؟![223]]
[لأن كلمة الله لم يُخلق لأجلنا بل بالأحرى نحن لأجله إذ "فيه كل الأشياء خُلقت" (راجع كو16:1). ليس لأننا كنا ضعفاء كان هو قويًا، وخُلق بواسطة الآب وحده لكي يُشكلنا بواسطة نفسه كأداة، لتهلك مثل هذه الأفكار! الأمر ليس هكذا.
لأنه حتى إن كان الله لم يستحسن أن يخلق المخلوقات، لكن الكلمة كان عنده، الذي ليس بأقل من أن يكون مع الله، والآب فيه. في نفس الوقت، الأمور الأصلية لا يمكن أن توجد بدون الكلمة، إذ به خُلقت - هذا صواب - لأنه حيث إن الكلمة هو ابن الله بالطبيعة مرتبط بجوهره، ومنه وفيه، كما يقول هو نفسه إن الخليقة ما كان يمكن أن توجد إلا به. فكما أن النور يُضيء كل الأشياء بأشعته وبدونها ما كان يمكن وجود أضاءه، هكذا الآب - كما بيدٍ - خلق كل الأشياء في الكلمة وبغيره لم يكن شيء مما كان[224].]
[بحسب كلامكم يظهر أولاً أن الابن قد جُعل من أجلنا، ولسنا نحن من أجله؛ بمعنى أننا لم نُخلق لأجله، لكنه هو قد صُنع من أجلنا، وبذلك يكون مدينًا بالفضل لنا، ولسنا نحن المدينين له.[225]]
[لم يُخلق شيء جديد في المرأة سوى جسد الرب، مولودًا من العذراء مريم بدون زرع، إذ قيل أيضًا في الأمثال عن شخص يسوع: "الرب قناني، أول طرقه من قِبَلْ (أجل) أعماله" [12]. إنه لا يقول: خلقني قبل أعماله"، بل "من أجل أعماله" (أي من أجل تدبير الخلاص)، وذلك لكي لا يفهم أحد النص بخصوص لاهوت الكلمة[226].]
[الكلمة إذن ليس مخلوقًا ولا عملاً... لذلك لم يقل: "خلقني عملاً"، ولا قال "خلقني مع أعماله" لئلا يظهر أنه مخلوق بالطبيعة وفي جوهره. كما لم يقل: "خلقني لأصنع أعمالاً" لئلا من الجانب الآخر حسب فساد الأشرار يبدو أنه أداة صُنعت من أجلنا.
مرة أخرى لم يُعلن: "خلقني قبل أعماله" لئلا وهو بالحقيقة قبل الكل كابن يظهر اللفظان "الولادة" و"الخلقة" كأنهما يحملان ذات المعنى. لكنه قال بتمييز دقيق: "لأجل أعماله"، وكأنه يقول: "الآب قد صنعني، في الجسد، لكي أكون إنسانًا".
مرة أخرى يظهر أنه ليس عملاً بل ابن. فإنه كما أن الذي يأتي إلى منزل لا يكون هو جزء من المنزل بل آخر غيره، هكذا الذي خلق الأعمال يلزم أن يكون بالطبيعة آخر غير الأعمال. لأنه إن كان الأمر كما تقولون أيها الأريوسيون أن كلمة الله هو عمل، فبأي يد وحكمة جاء هو نفسه إلى الوجود؟ فإن كل الأشياء جاءت إلى الوجود بيد الله وحكمته، الذي هو نفسه يقول: "يديّ صنعت كل شيء" (إش2:66)، ويقول داود في المزمور: "وأنت يا رب في البدء أسست الأرض، والسموات هي عمل يديك". وأيضًا في المزمور 142 "تذكرت أيامًا قديمة، أتأمل جميع أعمالك، كنت أتأمل أعمال يديك (مز25:102، 24:104) [227].]
رابعًا: المولود الأزلي. في نفس الأصحاح يؤكد كلمة الله أنه مولود وليس مخلوقًا، إذ يقول "قبل التلال ولدني" [25].
[إن كان الصوت القائل: "هذا هو ابني الحبيب" (مت5:17)... هو صوت الآب وقد سمعه التلاميذ، والابن نفسه أيضًا يقول عن ذاته: "قبل كل التلال ولدني" (أم25:8)، ألا يكونون بهذا يحاربون الله... لأنهم لم يخافوا صوت الآب، ولم يحترموا كلمات المخلص، ولم يطيعوا القديسين، حيث كتب أحدهم: "الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره" (عب13:1)؛ و"المسيح قوة الله وحكمة الله" (1كو24:1). وترنم آخر: "لأن عندك ينبوع الحياة، وبنورك نرى نورًا" (مز9:36)، "كلها بحكمة صُنعت" (مز24:104). ويقول النبي: "كلمة الرب صارت إليَّ" (إر4:1). ويقول يوحنا : "في البدء كان الكلمة" (يو1:1). ويقول لوقا: "مثلما سلمها إلينا الذين صاروا منذ البدء معاينين وخدامًا للكلمة" (لو2:1). وكما يقول داود أيضًا: "أرسل كلمته فشفاهم" (مز20:107). كل هذه الأقوال تفضح الهرطقة الأريوسية في كل مكان؛ بل توضح أزلية الكلمة، وأنه من جوهر الآب وليس غريبًا عنه. لأنه متى رأى أحدٌ نورًا بغير إشعاع؟ أو من يجرؤ أن يقول إنه "رسم جوهر شيء آخر غير الجوهر؟" ألا يكون قد أصيب بالجنون بدرجة كبيرة ذاك الذي يفكر أيضًا بأن الله كان في وقت ما بلا كلمة وبلا حكمة؟[228] ]
خامسًا: كلمة الله الأزلي
يميز البابا أثناسيوس بين كلمات الإنسان التي تصدر عنه بلا وجود شخصي وبين كلمة الله الحيّ الأزلي والعامل مع الآب. يلجأ الإنسان إلى يديه ليعمل، لأن كلماته بلا وجود حيّ حقيقي، أما الله فيعمل بكلمته الموجود الحيّ.
[بما أن الإنسان يُولد في وقت ما، فهو نفسه يلد ابنه أيضًا في وقت ما، وحيث أن الإنسان قد وُجد من العدم، لذلك فإن كلمته تتوقف ولا تبقى. أما الله فهو ليس كالإنسان لأن هذا ما قاله الكتاب (يهوديت16:8)، لكنه هو الكائن (خر14:39)، وهو الموجود دائمًا، لهذا فإن كلمته أيضًا كائن وأزلي مع الآب مثل إشعاع النور.[229]]
[لا يعمل الإنسان بواسطة الكلمات، بل بيديه، لأن يديه لهما وجود، أما كلمته فليس لها وجود فعّال، لكن يقول الرسول: "كلمة الله حيّ وفعّال، وأمضى من كل سيف ذي حدِّين، وخارق إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميز لأفكار القلب ونياته، ولا توجد خليقة غير ظاهرة أمامه، بل كل شيء مكشوف وعريان لعينيْ ذاك الذي نقدم له الحساب" (عب12:4،13). فهو إذن خالق "وبغيره لم يكن شيء واحد" (يو1:3) ويمكن أن يكون شيء بدونه[230].]
التفسير الثالث للأريوسيين
يقولون أنه يُسمى كلمة بسبب الأشياء المدركة، وحكمة بسبب الأشياء التي نالت حكمة، يٌسمى قوة بسبب الأشياء التي اكتسبت قوة.
يرد عليهم البابا أثناسيوس أنه بهذا القول يكون كلمة الله له وجود خيالي، مجرد أسماء نطلقها عليه. وهم يناقضون بعضهم بعضًا، إذ يؤكد البعض وجود الكلمة قبل كل الخليقة، وبه كان كل شيء، ويقول آخرون أنه مجرد أسماء ننتفع بها.
[إنهم يصطدمون ببعضهم بعضًا، إذ تتعارض أفكارهم فيما بينها، فأحيانًا يقولون الحكمة كثيرة، وأحيانًا أخرى يقولون إن الحكمة واحدة... بينما هم أنفسهم يقولون إن الحكمة موجودة مع الله أزليًا، يتناسون أقوالهم نفسها.[231]]

تفسير العبارة
لماذا قيل "خلقني"؟
1. بالتجسد صار لنا الإنسان الجديد المخلوق على صورة خالقه
الكلمتان "خلقني created Me" لا تصدران عن الطبيعة الإلهية الخالدة، بل عن ما قد ارتبطت بها في التجسد، طبيعتنا المخلوقة. كيف يمكن أن هذا "الحكمة"، "والفهم"، "والتعقل"، الذي يؤسس الأرض، ويُعد السموات، ويشق الأعماق، يُدعى هنا "مخلوقًا لأجل بدء أعماله"؟
يخبرنا أن مثل هذا التدبير لم يوضع بدون سبب عظيم. حيث أن البشر، بعدما تسلموا الوصية التي يجب عليهم ملاحظتها فقدوا بسبب العصيان نعمة الذاكرة، وصاروا ينسون، لهذا السبب "أنا أُعلن لكم الأمور التي تحدث يومًا فيومًا لخلاصكم، لعلَّكم تضعون في ذاكرتكم ما أُعد منذ الأزل، الأمور التي نسيتموها، فإنه ليس بإنجيل جديد أنا أُعلنه لكم الآن، بل أعمل لإصلاحكم لتعودوا إلى حالتكم الأولى. لهذا السبب أنا خُلقت، أنا القائم على الدوام، ولا احتاج إلى الخلقة لكي أوجد، فأنا بدء الطرق من أجل أعمال الله، أيضًا من أجل البشر فإن كان الطريق الأول قد تحطم صارت هناك حاجة إلى تكريس طريقٍ جديدٍ حيّ للتائهين (عب20:10)، الذي هو أنا، الطريق.
هذه النظرة أن معنى "خلقني" تشير إلى ناسوته، وضعها أمامنا الرسول الإلهي بوضوح بكلماته التي قدمها لنا: "البسوا الرب يسوع" (رو14:13). وأيضًا استخدم نفس الكلمة إذ يقول: "البسوا الإنسان الجديد المخلوق على شاكلة الله" (أف24:4). فإن كان ثوب الخلاص هو واحد، الذي هو المسيح، لا يقدر أحد أن يقول أن "الإنسان الجديد الذي على شاكلة الله" آخر غير المسيح، بل من الواضح أن الذي يلبس المسيح يلبس الإنسان الجديد المخلوق على شاكلة الله. فإنه بالحقيقة هو وحده الذي يمكن أن يُدعى بحق "الإنسان الجديد"، الذي لم يظهر في الحياة من زرع إنسان بالطرق الطبيعية المعروفة العادية، بل في حالته وحده تحققت الخلقة بطريقة جديدة غريبة وفريدة. لهذا السبب فإنه لذات الشخص عندما ننظر إلى طريقة ميلاده العجيبة نقول "الإنسان الجديد المخلوق على صورة خالقه"، وعندما ننظر إلى طبيعته الإلهية المتحدة بخلقة هذا الإنسان الجديد ندعوه "المسيح". فالإنسان (أقصد المسيح والإنسان الجديد الذي على صورة خالقه) ينطبقان على نفس الشخص الواحد بعينه[232].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
يقول البابا أثناسيوس الرسولي:
[عندما يٌقال اللفظ "خَلَقَ" فهو لا يُقال عن الجوهر إطلاقًا، ولا يعني الولادة. فداود يترنم: "ليٌكتب هذا لجيل آخر وشعب عندما يُخلق سيسبح الرب" (مز18:102). ويقول أيضًا: "قلبًا نقيًا اخلق فيَّ يا الله" (مز10:51). ويقول بولس في رسالته إلى أهل أفسس: "مبطلاً ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا" (أف15:2). وأيضًا "البسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق" (أف24:4) [233].]
[هذا مشابه لما يقوله إرميا: "خلق الله خلاصًا لأجل زرع جديد الذي به سيتجول الناس في أمان" (إر22:38 LXX). وعندما قال هذا لم يقصد أي جوهر خاص بمخلوق، بل هو يتنبأ بالخلاص المتجدد بين البشر، ذلك الخلاص الذي صار بالمسيح لأجلنا. وحيث أن هناك فرقًا بين المخلوقات وبين القول المذكور "خَلَقَ"[234]، فإن وجدتم الرب يٌدعى مخلوقًا في أي موضع في الكتاب فأوضحوه وحاربوا. أما أن لم يكن قد كٌتب في أي موضع أنه مخلوق سوى ما قاله عن ذاته في الأمثال "الرب خلقني" فاخجلوا إذن من الفرق السابق ذكره[235].]
2. بالتجسد صار لنا أخًا وبكرًا
يقول البابا أثناسيوس الرسولي:
[بكون الله أباه بالطبيعة صار فيما بعد خالقه وصانعه، عندما لبس الكلمة هذا الجسد المخلوق والمصنوع، وصار إنسانًا.
كما أن البشر إذ قبلوا روح الابن صاروا أبناء به، هكذا كلمة الله عندما لبس جسد إنسان عندئذ قيل أنه مخلوق ومصنوع. إن كنا بالطبيعة نحن أبناء عندئذ يكون هو بالطبيعة مخلوقًا وعملاً؛ ولكن إن كنا بالتبني والنعمة صرنا أبناء عندئذ فالكلمة أيضًا إذ عملت النعمة لأجلنا صار إنسانًا، وقال: "الرب خلقني". وفي موضع آخر، عندما لبس طبيعة مخلوقة صار مثلنا في الجسد، لذلك من المعقول أن يدعى أخًا وبكرًا (رو29:8)[236]]
[نحن خُلقنا بواسطة الله أولاً وبعد ذلك وُلدنا، خليقة بالطبيعة وأبناء بالنعمة. أما المسيح فوُلد أولاً ثم خُلق بعد ذلك. فمعنى "البكر بين الأمواتو"البكر بين إخوة كثيرين"، و"بكر كل خليقة" يتعارض مع "الابن الوحيد". بهذا يُفسر: "أول طرقه" و"من أجل أعماله"… النصوص تحمل مقابلة بين الكلمة والأعمال[237].]
3. بالتجسد صار المسيح لعنة لأجلنا
[إنه محب للبشر فهو يقول الآن: "الرب خلقني أول طرقه" كما لو كان يقول "الآب هيأ لي جسدًا" (أنظر عب5:10)، وخلقني للبشر من أجل خلاص الناس. لأنه كما أننا عندما نسمع من يوحنا: "الكلمة صار جسدًا" فإننا لا نفهم من ذلك أن الكلمة كله جسد، بل أنه لبس جسدًا صائرًا إنسانًا. وعندما نسمع "صار المسيح لعنة لأجلنا" (غل13:3). وأيضًا "جعل الذي لم يعرف خطيئة، خطيئة لأجلنا" (2كو21:5). فإننا لا نفهم من كل هذا أنه هو نفسه قد صار لعنة وخطية، بل تحمل اللعنة الموجهة ضدنا كما قال الرسول "افتدانا من اللعنة" (غل13:3). ومثلما قال إشعياء "حمل خطايانا" (إش4:53)، ومثلما كتب بطرس "حمل خطايانا في جسده على الصليب" (انظر 1بط24:2)[238].]
لماذا قيل: "من أجل أعماله"؟
يقول البابا أثناسيوس الرسولي:
[بحسب فكر أولئك (الأريوسيين) يُعتبر جوهر الكلمة مخلوقًا بسبب قوله "الرب خلقني"، وبالتالي لكونه مخلوقًا فهو لم يُخلق من أجلنا، وان لم يكن قد خُلق من أجلنا فنحن لم نخلق به، وان لم نخلق به فلن يكون هو لنا في داخلنا، بل سيكون خارجنا كما لو كنا نقبل منه التعليم مثلما نقبله من معلمٍ. ولو كان الأمر هكذا معنا لما فقدت الخطية سلطانها علي الجسد، بل لظلت ملتصقة به وليست بعيدة عنه. غير أن الرسول يعارض تعليم هؤلاء بإعلانه لأهل أفسس قبل ما سبق أن اقتبسنا بقليل قائلاً: "لأننا نحن مخلوقين في المسيح يسوع". فإن كنا قد خلقنا في المسيح فلا يكون هو الذي خُلق، بل نحن الذين خُلقنا بواسطته. لذا فإن القول "خلق" هو من أجلنا نحن وبسبب احتياجنا. فإن الكلمة رغم أنه خالق، احتمل أيضا لقب المخلوق. ولم يكن هذا لقبه الخاص. إذ أنه هو الكلمة، ولكن اللقب "خلق" هو خاص بنا نحن المخلوقين بواسطته[239].]
قبل كل الجبال ولدني
[بينما أنه عندما يشير بصورة مطلقة إلي الميلاد من الآب فإنه يضيف في الحال : "قبل كل الجبال ولدني" (أم25:8). فهو لم يقل لماذا ولد مثلما حدث في عبارة "خلقني" حيث ذكر "من أجل الأعمال". بل انه يقول بصورة مطلقة "ولدني"، كما جاء في القول: "في البدء كان الكلمة". لأنه حتى وإن لم تكن الأعمال قد خلقت، إلا أن كلمة الله كان موجودًا، "وكان الكلمة الله"[240].]
[لأنه عندما قال: "الرب خلقني أول طرقه"، أضاف : "لكنه قبل كل الجبال ولدني". فإن كان الكلمة مخلوقا بالطبيعة وبالجوهر، والمولود يختلف عن المخلوق فما كان له أن يضيف "ولدنيبل لكان اكتفى بلفظ "خلق" مادام هذا اللفظ يعني أيضًا "ولدني". ولكنه هنا يقول "خلقني أول طرقه لأجل أعماله". وأضاف عبارة "ولدني" ليس عن غير قصد، بل بعد ربطها بأداة الربط "لكن"، وبذلك يعطي حماية كافية للفظ "خلق" قائلاً: "لكنه قبل كل الجبال ولدني"، لأن عبارة "ولدني" إذ تأتي مع لفظ خلق فإنها تضفي عليها معنًى معينًا[241].]
[لأن إدخاله إلى العالم ساهم في تسميته "بكرالكل، حتى يكون هو ابن الآب الوحيد الجنس بسبب أنه هو الوحيد الذي من الآب، كما أنه "بكرالخليقة من أجل تبني الجميع. ولأنه هو بكر بين الاخوة، وقد قام من بين الأموات ليكون هو باكورة الراقدين (انظر 1كو20:15)، لذلك كان من الواجب أن يكون متقدما في كل شيء ، لهذا فقد "خلق أول الطرق". لكي إذ نتبعه وندخل بواسطته هو القائل "أنا هو الطريق" و "الباب" ونشترك في معرفة الآب ، فإننا نسمع الكلمات: "طوباهم الذين بلا عيب في الطريق" ونشترك في معرفة الآب، فإننا نسمع الكلمات :"طوباهم الذين بلا عيب في الطريق" وأيضًا "طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله"[242].]
[كلمة الله محب البشر ليس الجسد المخلوق بمشيئة الآب لكي يحيي كدم نفسه هذا الجسد الذي أماته الإنسان الأول بسبب تعديه، كما قال الرسول: "وكرس لنا طريقًا حيًا حديثًا بالحجاب أي جسده". وهو ما أشار إليه في موضع آخر حينما قال: "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديدًا". فإن كان كل شيْ قد صار خليقة جديدة فإنه من الضروري أن يكون هناك شخص هو أول هذه الخليقة[243].]
[ومن الصواب أن يقول:"الرب خلقني أول طرقه لأجل أعماله" لكي لا يحيا الإنسان فيما بعد بحسب الخليقة الأولى وإذ توجد بداية خليقة جديدة والمسيح هو بدء طرقها، إذن فلنقتف أثره هو القائل لنا: "أنا هو الطريق".وأيضا يعلم الرسول المغبوط في رسالته إلى أهل كولوسي قائلاً: "هو رأس الجسد الكنيسة، الذي هو البداية، البكر من الأموات لكي يكون متقدما في كل شيء"[244].]
[لأنه هكذا خلق المخلص بحسب الجسد وصار أول الذين خلقوا من جديد واتخذ باكورتنا التي هي الجسد البشري الذي لبسه، وبعده يأتي الشعب الآتي الذي خلق كما قال داود "يكتب هذا لجيل آخر، وشعب سيخلق يسبح الرب". ويقول في المزمور الحادي والعشرين : "الجيل الآتي سيخبر عن الرب وسيعلنون بره للشعب الذي سيولد الذي صنعه الرب"[245].]
[إذن فقد كمل فيه الجنس البشري وأعيد تأسيسه كما كان في البدء، بل بالأحرى بنعمة أعظم من الأول. لأننا بعد القيامة من بين الأموات لن نخاف الموت بعد، بل سنملك في السموات مع المسيح على الدوام. وهذا لأن نفس كلمة الله الذاتي من الآب، قد لبس الجسد وصار إنسانًا. لأنه لو كان مخلوقا ثم صار إنسانًا فإن الإنسان يبقى كما كان دون أن يتحد بالله. لأنه كيف يمكن لمخلوق أن يتحد بالخالق بواسطة مخلوق؟ لأن أية معونة يمكن أن يحصل عليها متماثلون من مماثليهم ماداموا هم أيضا محتاجين إلي نفس المعونة؟ وإن كان الكلمة مخلوقًا فكيف يمكنه أن يبطل حكم الله ويصفح عن الخطيئة وهو أمر كتب عنه الأنبياء أنه خاص بالله؟[246]]
[مرة أخرى، لو كان الابن مخلوقا لظل الإنسان مائتًا كما كان قبلاً، حيث أنه لم يتحد بالله. فإنه لا يستطيع مخلوق أن يوحد المخلوقات مع الله، إذ أنه هو نفسه في حاجة لمن يوحده بالله. وليس في وسع جزء من الخليقة أن يكون خلاصًا للخليقة إذ هو نفسه في حاجة إلى الخلاص. ولكي لا يحدث هذا أرسل الله ابنه وصار ابن الإنسان باتخاذه الجسد المخلوق. وحيث أن الجميع كانوا خاضعين للموت، وكان هو مختلفًا عن الجميع فقد قدم جسده الخاص للموت من أجل الجميع. إذن حيث أن الجميع ماتوا بواسطته هكذا قد تم الحكم (إذ أن الجميع ماتوا في المسيح) [247].]
[لذلك فإن الحق يوضح أن الكلمة لا ينتمي إلى المخلوقات، بل بالحري هو نفسه خالقهم. ولذلك فقد لبس الجسد البشري المخلوق، لكي بعد أن يجدده كخالق فإنه يؤلهه في نفسه، وهكذا يدخلنا جميعا إلى ملكوت السموات على مثال صورته. لأنه ما كان للإنسان أن يتأله لو أنه اتحد بمخلوق أو لو أن الابن لم يكن إلهًا حقيقيًا. وما كان للإنسان أن يقف في حضرة الآب لو لم يكن الذي لبس الجسد هو بالطبيعة كلمته الحقيقي[248].]
[أن يتحد ما هو بشري بالطبيعة بهذا الذي له طبيعة الألوهية، ويصير خلاص الإنسان وتألِّيه مؤكدًا. ولذلك فإن الذين ينكرون أن الابن هو بالطبيعة من الآب وأنه مولوده الذاتي من، فلينكروا أيضًا أنه قد حصل على جسده البشري الحقيقي من مريم الدائمة البتولية[249].]
مكتوب "بالحكمة أسس الله الأرض". فإن كانت الأرض إذن قد تأسست بالحكمة فكيف تأسس هذا الذي أسسها؟. ولكن هذا النص قد قيل بأسلوب الأمثال. ويجب أن نبحث عن المقصود من هذا لكي نعرف أن الله خلق الأرض وأسسها بالحكمة لكي تكون ثابتة وطيدة وتظل باقية. والحكمة نفسها تأسست لأجلنا لكي تصير بداية وأساس خلقتنا الجديدة وتجديدنا. وهنا أيضًا لا يقول في هذه النصوص أنه "قبل الدهر (العالم) قد صنعني كلمة أو أبًا لكي لا يبدو أن له بداية صنع، فقبل كل شيء يجب أن نبحث إن كان هو ابنًا وأن نفتش الكتب بخصوص هذا الأمر.
لأنه لم يقل "قبل الدهر أسسني كلمة أو ابنًا" بل قال ببساطة "أسسني" لكي يوضح كما قلب أنه يقول هذا بأمثال ليس عن نفسه بل عن هؤلاء الذين يُبنون فوقه. ولأن الرسول قد عرّف هذا لذا فإنه يكتب "لا يستطيع أحد أن يضع أساسًا آخر غير الذي وُضع الذي هو يسوع المسيح" وأيضًا "فلينظر كل واحد كيف يبني عليه". ومن الضروري أن يكون الأساس مماثلاً لتلك الأشياء التي تبني عليه حتى يمكنها أن تلتئم معه وتتحد به. ولكونه الكلمة، فإنه من حيث كونه كلمة حقًا فلا يوجد هناك من يماثلونه حتى يمكن أن يتحدوا معه وذلك لأنه وحيد الجنس، ولكن بصيرورته إنسانًا فقد صار له مماثلون وهو الذين ارتدى جسدهم المماثل لجسده. وتبعًا لذلك فإنه "تأسس" بحسب بشريته لكي يمكننا نحن أيضًا أن نُبني فوقه حجارة كريمة ونصير هيكلاً للروح القدس الساكن فينا. وكما أنه هو أساس حقًا، فنكون نحن الحجارة التي تبنى عليه، وأيضًا يكون هو الكرمة ونصير نحن أغصانه ليس بحسب جوهر اللاهوت لأن هذا مستحيل حقًا بل بحسب بشريته، لأن الأغصان يلزم أن تكون مشابهة للكرمة، حيث أننا نحن مشابهون له بحسب الجسد.
لكن عندما لبس جسدنا الذي أخذه كقطعة من جسد القديسة مريم عندئذ يقول "أسسني" كما لو كان قد قال: "لكوني كلمة فقد ألبسني جسدًا ترابيًا". لأنه هكذا تأسس من أجلنا، آخذًا ما يخصنا على عاتقه. لكي باتحادنا معه في الجسد، وارتباطنا به بسبب مشابهة الجسد نبقى غير مائتين وغير قابلين للفساد وبه نصل إلى إنسان كامل.
إلا أن هذه النعمة كانت قد أُعدت قبل أن يخلقنا بل حتى من قبل أن يخلق العالم. والسبب في هذا صالح ومذهل. فلم يكن من الائق أن يفكر الله بخصوصنا بعد أن خلقنا لكي لا يظهر أنه يجهل الأمور التي تتعلق بنا.
إن بولس الرسول المغبوط يعلّم بهذا كتفسير للنص الذي جاء في الأمثال: "قبل الدهر" و "قبل أن تكون الأرض"، وذلك عندما كتب إلى تيموثاوس قائلاً: "اشترك في احتمال المشقات لأجل الإنجيل بحس قوى الله. الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة، لا بمقتضى أعمالنا بل بمقتضى القصد والنعمة التي أُعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الأزمنة الأزلية، وإنما أُظهرت الآن بظهور مخلصنا يسوع المسيح الذي أبطل الموت وأنار الحياة". بل وقال إلى أهل أفسس "مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح يسوع. كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قدامه في المحبة قديسين وبلا لوم. إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه".
ولم يكن من الآئق إذن أن تؤسس حياتنا بأي طريقة أخرى سوى أن تُؤسس في الرب الذي هو كائن منذ الأزل، والذي به قد خُلقت العالمين، لكي نستطيع نحن أيضًا أن نرث حياة أبدية إذ أن هذه الحياة كائنة فيه.
وحيث أنه أضاف قائلاً: "عندما أعد السموات كنتُ أنا في نفس الوقت معه"، ينبغي أن نعرف أنه لم يقل هذا كما لو أن الآب أعد السماء أو السحب العُليا بدون الحكمة، لأنه لا ريب أن جميع الأشياء قد خلقت بالحكمة، وبغيرها لم يكن شيء ما. وما قاله يعني هذا أن "كل الأشياء قد صارت في وبواسطتي، وعندما صار هناك احتياج أن تُخلق الحكمة لأجل الأعمال، فإني وأنا موجود مع الآب حسب الجوهر، لكن بالتنازل إلى المخلوقات قد طبعت صورتي على الأعمال، حتى يكون العالم كأنه في جسد واحد غير متمرد بل يكون متوافقًا مع نفسه". فكل الذي يتأملون المخلوقات بفكر مستقيم بحسب الحكمة المعطاة لهم يستطيعون أن يقولوا: "كل الأشياء تثبت بتدبيرك".
<<


الأصحاح التاسع

مائدة الحكمة
لا يقف عمل الحكمة عند النداء العملي لكل البشرية والدعوة للتمتع به بكونه حكمة الله الأزلي، الخالق والمدبر للخليقة كلها، مقدمًا بركاته الفائقة، لكنه يكشف هنا عن المائدة التي أعدها للمؤمنين، تكلفتها بذل ذاته بالحب العملي على الصليب لأجل الإنسان.
يدعونا السيد المسيح - الحكمة الإلهي - إلى سمواته لكي نشبع من المائدة الفريدة الغنية، فقد حمل جسدنا بيتًا له، وصار جسده الحقيقي الذي يبذله بالحب طعامًا روحيًا يشبع النفس ويرويها.
جاء السيد المسيح نفسه ليدعونا إلي وليمته، كما بعث إلينا تلاميذه ورسله والعاملين في كرمه لتقديم دعوة عامة لكل البشرية. لكن لا يستطيع أن يتمتع بهذه الدعوة إلا من يشعر بجهله واحتياجه إلي الحكمة. مسيحنا جاء لا ليدعو الأبرار، بل الخطاة إلي التوبة. اختار جهال العالم لكي يخزي بهم الحكماء في أعين أنفسهم، واختار الضعفاء ليخزي الأقوياء، والمزدري وغير الموجودين ليخزي بهم من يظنوا في أنفسهم أنهم شيء (1كو27:1).
من لا يقبل وليمة الحكمة يجد نفسه قد انسحب إلي وليمة الجهل.
1. مائدة الحكمة 1-12.
2. مائدة الجهل13-18.
مائدة الحكمة
يستعرض سليمان الحكيم اهتمام حكمة الله بالمائدة السمائية التي أعدها لمحبوبيه، بني البشر، الذين هم موضع سروره ولذته، موضحًا تكلفتها وفاعليتها في حياتهم. تحدث عن الآتي:
أ. بيت الوليمة [1].
ب. قوة البيت وثباته [2].
ج. طعام فريد [2].
د. شراب فريد [3].
هـ. نظام الوليمة [2].
و. الدعوة للوليمة [3].
ز. فاعلية الوليمة [4-6].
ح. جدية الوليمة [7-9].
ط. طريق الوليمة [10].
ي. امتداد الوليمة [11].
ك. المنتفع بالوليمة [12].
أ. بيت الوليمة
كل إمبراطور أو ملك أو رئيس دولة يهتم أن يخصص جزءًا رئيسيًا من قصره لإقامة الولائم، خاصة للأباطرة أو الملوك أو الرؤساء، وأيضًا لرجال الدولة والمسئولين وغيرهم. تكشف صالة الوليمة عن اهتمام الشخص بمن يدعوهم كما تعلن عن شخصية من قدم الوليمة. لذا فإن المبني يحمل طابعًا قوميًا يكشف عن حضارة البلد وإمكانياته الخ. أما حكمة الله فلم يبنِ منزلاً ليدعو الآخرين إليه، بل قبل طبيعتنا البشرية، إذ صار إنسانًا حقًا. صار البيت ليس بغريبٍ عنه، بل هو بيته. اتحد لاهوته بناسوته بلا انفصال وبغير امتزاج. فالدعوة التي يقدمها لنا هي أن نثبت فيه فنصير أعضاء جسده. أنها دعوة اتحاد أبدي معه!
لقد فتح أبواب بيته، أي جسده، ليس فقط حين فتح فاه أمام الجماهير في موعظته علي الجبل، ولا حين تحدث معنا علي مستوي الجماعة كما علي المستوي الشخصي، مع كل أحدٍ منا، وإنما حين سمح بفتح جنبه علي الصليب ليفيض لنا دمًا وماء. جنبه مفتوح علي الدوام لكي ندخل في بيته، ونتلامس مع أحشاء حبه الناري، فننعم بالوجود الدائم معه وفيه. وكما يقول صاحب الوليمة نفسه: "اثبتوا فيَّ وأنا فيكم" (يو15:4). ويقول الرسول بولس: "حياتكم مستترة مع المسيح " (كو3:3).
"الحكمة بنت بيتها" [1].
البيت الذي بناه حكمة الله هو ناسوت السيد المسيح. لقد هيّأت خطة اللَّه الأزلية التجسد لكي يتحقق الخلاص.
V ليتنا ننظر إلى المسيح من الجانبين: الكلمة الإلهي الذي صار واحدًا في مريم مع الذي أخذه من مريم. فإنه في رحمها شكَّل الكلمة لنفسه بيته، كما أنه في البداية شكَّل آدم من الأرض أو بالأحرى كما قال سليمان الحكيم صراحة، إذ يعرف أن الكلمة قد دُعي الحكمة: "الحكمة بنت بيتها"، وقد فسّرها الرسول قائلاً: "ونحن بيته"، وفي موضع آخر يدعونا هيكلاً. إن كان يليق باللَّه أن يسكن في هيكل على صورة (معينة) مصنوع من حجارة، فقد أمر بواسطة سليمان الشعب القديم أن يبنيه، بينما عند ظهور الحق توقفت الصورة (إذ ظهر الحق نفسه) [250].
البابا أثناسيوس الرسولي
V لكننا نقول إنه في الجزء الأول من الكتاب حيث يقول "الحكمة بنت بيتها" يُشير بطريقة غامضة خلال هذه الكلمات إلى إعداد جسد الرب، فإن الحكمة الفائقة لم تسكن في مسكن لآخر، بل بنت لنفسها مسكنًا من جسد العذراء... هكذا يمكننا أن نرى في هذه العبارة سليمان يتحرك بروح النبوة ويسلم لنا فيها كمال سرّ التجسد[251].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
V هنا بالتأكيد ندرك أن حكمة اللَّه، أي الكلمة الشريك مع الآب في الأزلية قد بنى لنفسه بيتًا، أي جسدًا بشريًا في أحشاء البتول، وأخضع الكنيسة له كأعضاء للرأس، وقد ذبح الشهداء كذبائح، وأعد مائدةً بالخبز والخمر، حيث أبرز الكهنوت على رتبة ملكي صادق، ودعى البسطاء والذين ينقصهم الحس، وكما يقول الرسول: "اختار اللَّه ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء" (1كو27:1)[252].
القديس أغسطينوس
V شهادة القديس غريغوريوس أسقف نيصص في كتابه ضد أونوميوس:
"كان الكلمة قبل كل العصور، أما الجسد فصُنع في ملء الزمان، ولا يستطيع أحد أن يقول العكس أن الجسد كان قبل الدهور أو الكلمة صُنع في ملء الزمان.
ثيؤدورت
V المسيح، يقصد حكمة اللَّه وقوته، بنى بيتًا له، أي طبيعته في الجسد التي أخذها من العذراء، حيث يقول (يوحنا): "الكلمة صار جسدًا، وحلّ بيننا". وذلك كما يشهد النبي الحكيم: الحكمة الذي كان قبل العالم، مصدر الحياة، غير المحدود، "حكمة اللَّه بنت بيتها" بواسطة أُمٍ لا تعرف رجلاً، أي أخذ هيكل الجسد[253].
القديس هيبوليتس
يعلن الكتاب المقدس أن الثالوث القدوس اشترك في إتمام عمل التجسد الإلهي أو في إقامة بيت الوليمة، حيث دبَّر خطة الخلاص، وبني الحكمة الإلهي له بيتًا، وتحقق التجسد الإلهي بعمل الروح القدس في أحشاء القديسة البتول مريم، فنالت كرامة فريدة. والعجيب أن حكمة الله أيضًا يبني بروحه القدوس له فينا بيتًا له، مسكنًا للثالوث القدوس، إذ يقول: "يحبه أبي وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً" (يو23:14).
V كما نقرأ أن الآب صنع سرّ تجسد الرب، والروح أيضًا، هكذا نقرأ أن المسيح نفسه صنع جسده.
بالنسبة للآب كُتب: "الرب خلقني" (أم22:8)، وفي موضع آخر: "أرسل اللَّه ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس".
والروح خلق كل السرّ، كما نقرأ: "ووُجدت مريم حُبلى بطفل من الروح القدس"[254].
القديس أمبروسيوس
يقيم من إنساننا الداخلي بيت وليمة عجيب، تدعوه النفس "جنته" إذ تناجي حكمة الله، قائلة: "ليأتِ حبيبي إلي جنته ويأكل ثمره النفيس" (نش16:4). ويستجيب الحكمة الإلهي لدعوتها فيقول:
" قد دخلت جنتي يا أختي العروس.
قطفت مُرّي مع طيبي. أكلت شهدي مع عسلي.
شربت خمري مع لبني.
كلوا أيها الأصحاب. اشربوا واسكروا أيها الأحباء" (نش1:5).
هذا هو البيت الذي يقيمه فينا حكمة الله ويحسبه بيته وجنته، يدعو إليه أصحابه السمائيين ليأكلوا ويشربوا ويفرحوا بثمر روحه القدوس العجيب فينا.
يعلق القديس غريغوريوس أسقف نيصص علي هذه الدعوة التي تقدمها النفس البشرية لذاك الذي أقام منها جنة وحوّل أعماقها وليمة غنية فيقول:
[ من هو هذا الذي تدعوه العروس إلي وليمتها التي تحمل ثمارها؟
لمن أعَدّتْ وليمة من مصادرها (الداخلية)؟
من هو هذا الذي تدعوه العروس إلي الوليمة التي أعدتها؟ ليس إلا ذاك الذي منه وبه وفيه توجد كل الأشياء (رو36:11). إنه يعطي لكل شخص طعامه في حينه (مز15:145)، يفتح يديه ويملأ كل حيّ من بركاته. نزل كخبزٍ من السماء (يو41:6)، وأعطي العالم الحياة، وجعل المياه تتفجر من ينبوعه الذي للحياة. هذا هو ذاك الذي تُعد له العروس مائدتها.
المائدة هي جنة مزروعة بأشجار حية.
نحن بحق الأشجار، والطعام المقدم له هو خلاص نفوسنا[255].]
عمل حكمة الله أن يهدم الخيمة القديمة التي هي أعمال الإنسان القديم التي أقامتها الخطية فينا، ليُقيم بيتًا جديدًا داخليًا، يتجدد كل يوم. "إن كان إنساننا الخارجي يفني فالداخل يتجدد يومًا فيومًا" (2كو16:4).
هذا البيت الذي بناه السيد المسيح هو كنيسته المقدسة حيث يقدم نفسه حجرًا حيًا مرفوضًا من الناس ولكنه مختار من الآب وكريم (1بط4:2)، يحملنا كحجارة حية ترتكز عليه، نُبني بجوار بعضنا البعض ونتحد معًا لنصير أشبه ببرجٍ واحدٍ. وكما يقول القديس بطرس الرسول: "كونوا أنتم أيضًا مبنيين كحجارة حية، بيتًا روحيًا، كهنوتًا مقدسًا، لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح " (1بط5:2).
ب. قوة البيت وثباته
"نحتت أعمدتها السبعة" [1].
إن كان قد أقام حكمة اللَّه لنفسه بيتًا، إذ اقتبس ناسوتنا وجعله واحدًا معه، فإنه نحت أعمدة سبعة يقيم عليها البناء. ما هذه الأعمدة إلا روحه الناري الواحد معه. هذا الروح الذي لا ينفصل عنه، وهبنا إياه بإقامته إنساننا الداخلي بيتًا له، فصرنا مسنودين به، يقودنا بقوة إلي مراعي المسيح التي لا تنضب، ويدخل بنا إلي ملكوته الأبدي، واهبًا إيانا القوة والنصرة والتعزيات الفائقة.
V يستحيل أن ينال أحد نعمة الله، ما لم يكن له الروح القدس، الذي فيه كل عطايا الله[256].
القديس ديديموس الضرير
V يُسمي (الروح القدس) المعزي، لأنه يعزي ويفرِّح الذين في الشدائد[257].
القديس مقاريوس الكبير
V حين تمتلئ النفس من ثمر الروح تتعزى تمامًا من الكآبة والضيق والضجر، وتلبس الاتساع والسلام والفرح بالله، ويُفتح في قلبها باب الحب لسائر الناس[258].
مار اسحق السرياني
V "وأقامت أعمدتها السبعة"، أي الرائحة الذكية التي للروح الكلي القداسة، كقول إشعياء: "وأرواح اللَّه السبعة تستقر عليه". ويرى البعض أن الأعمدة هي السبعة أنظمة التي تقوم عليها الخليقة بتعليمه (الإلهي) المقدس والموحى به، أي الأنبياء والرسل والشهداء والكهنة والمتوحدين والقديسين والأبرار.
V إنه يقصد أورشليم الجديدة والجسد المقدس. ويعني بالأعمدة السبعة وحدة الروح القدس السباعية المستقرة عليها[259].
القديس هيبوليتس
V بخصوص كرامة الرقم 7 لدينا شهادات كثيرة، لكننا نكتفي بالقليل من الكثير. كمثال: سبعة أرواح ثمينة قد سُميت، فإنني أظن أن إشعياء يحب أن يدعو أنشطة الروح أرواحًا، وتعاليم الرب المصفاة سبعة مرات كقول داود (مز6:12)، والبار يخلص من ست ضيقات وبالسابعة لا يُضرب. أما الخاطي فيُغفر له ليس سبع مرات، بل سبعين مرة سبع مرات. وأيضًا يمكننا أن نرى ذلك بالمقابلالنقيض (فإن عقاب الأشرار ممتدح)، فاُنتُقِم لقايين سبع مرات، أيضًا أن العقوبة عن قتل أخيه إذ تحققت، اقتص له للامك سبعين مرة سبع مرات، لأنه كان قاتلاً حسب الشريعة ويُدان. والأقرباء الأشرار ينالون سبع أضعاف في حضنهم، وبيت الحكمة يستقر على سبعة أعمدة، وحجر زربابل يزين بسبعة أعين، واللَّه يُسبح سبع مرات في اليوم، وأيضًا تحمل العاقر سبع، الرقم الكامل، وذلك في مقابل تلك التي أولادها غير كاملين[260].
القديس غريغوريوس النزينزي
ج. طعام فريد
"ذبحت ذبحها" [2].
ماذا يقدم السيد المسيح في بيته إلا جسده المبذول، ذبيحة حب، يشتمها الآب رائحة رضا، ويقدمها لمؤمنيه مائدة فائقة سماوية.
V هذه المائدة هي عضد نفوسنا، رباط ذهننا، أساس رجائنا، خلاصنا ونورنا وحياتنا.
V عندما تري المائدة معدة قدامك قل لنفسك:
من أجل جسده لا أعود أكون ترابًا ورمادًا،
ولا أكون سجينًا بل حرًا!
من أجل هذا (الجسد) أترجى السماء، وأتقبل الخيرات السمائية، والحياة الخالدة، ونصيب الملائكة، والمناجاة مع المسيح!
سُمر هذا الجسد بالمسامير وجُلد، ولا يعود يقدر عليه الموت!
إنه الجسد الذي لُطخ بالدماء وطُعن،
ومنه خرج الينبوعان المخلصان للعالم: ينبوع الدم وينبوع الماء[261].
القديس يوحنا الذهبي الفم
إذ نتناول هذه الذبيحة الفريدة نشتهي أن نشارك مسيحنا حبه الذبيحي فنقدم ذبائح حب بلا انقطاع. وكما يقول العلامة ترتليان: [ تخرج هذه الذبيحة من كل القلب، وتتغذى علي الإيمان، وتراعي الحق، تدخل في براءة ونقاوة، في عفة، تتزين بالحب. ويلزمنا أن نحرسها بعظمة الأعمال الصالحة، مقدمين مزامير وتسابيح علي مذبح الله لننال كل الأشياء منه[262].]
نقدم مع الرسول بولس ذبيحة الألم اليومي فنترنم قائلين: "من سيفصلنا عن محبة المسيح أشدة أم ضيق … كما هو مكتوب أننا من أجلك نُمات كل النهار. قد حُسبنا مثل غنمٍ للذبح" (رو25:8،26). بصليب ربنا تُذبح الأنا فنقول: "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا" معتزين بأن المسيح الذبيح صار حيًا فينا… فنقول: "بل المسيح يحيا فيَّ" (غلا 20:2).
نقدم ذبيحة الاتضاع أمام الله (مز16:51،17)، ذبائح البرّ (مز5:4)، ذبيحة الجسد المضبوط بصليب الرب (رو1:12)، ذبيحة التسبيح (عب15:13).
V أنا نفسي أود أن أكون في عداد أبنائها لكي أُذبح بواسطتها. أود أن أّذبح لكي أكون ابنًا.
لكن هل هي قاتلة لأبنائها، أو مُعذبة لهم؟ فإني اسمع الله أيضًا في موضع آخر يقول: "احرقهم كالذهب في النار، وأُمحصهم كالفضة المصفَّاة". بالتأكيد إنه بآلام النار والعقوبات وباختبار الاستشهاد من أجل الإيمان.
يعرف الرسول أيضًا نوعًا من الذبح يصفه لنا: "الذي لم يُشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا معه كل شيء؟"
أنظر كيف تذبح الحكمة الإلهية حتى ما لها!
يُذبح الابن البكر الوحيد، الذي ليس فقط يحيا بل يهب حياة للآخرين. أقول: إنه السيد المسيح الذي يبذل ذاته من أجل معاصينا[263].
العلامة ترتليان
V العبارة: "ذُبحت حيواناتها" تُشير إلى الأنبياء والشهداء الذين قُتلوا في كل مدينة ودولة بواسطة غير المؤمنين من أجل الحق، ويصرخون قائلين: "من أجلك ذُبحنا كل النهار، حُسبنا كغنم نُساق للذبح"[264].
القديس هيبوليتس
د. شراب فريد
"مزجت خمرها" [2].
نادرًا ما كان قدماء اليهود أو اليونانيين أو الرومانيين يشربون الخمر دون مزجه بماء، وقد تعرض كثير من قدامي الكتاب لهذا الأمر، فالبعض يرى مزج الخمر بالماء بنسبة 3 إلى 1، وآخرون 5 إلى 1، وأشار بليني Pliny إلا أن بعض الخمور تحتاج إلى إضافة 20 قدرًا من الماء عليها، لكن الغالبية العظمى يرون إضافة 3 مقادير من الماء إلى قدرين من الخمر.
هذا والبعض لا يمزج الخمر بالماء ليضعف من قوته بل يمزجه ببعض التوابل أو العسل، أو المر، أو madragora أو opium وغير ذلك لكي تزداد حدة الخمر، فلا يصير مسكرًا فحسب بل ويجعله مخدرًا. وربما المزج أيضًا يُشير إلى مزجه بأنواع ثمينة من الخمر لكي تسبب للإنسان فرحًا وبهجة قلبٍ.
يقدم لنا حكمة الله دمه الطاهر شرابًا روحيًا سمائيًا. وكما جاء في قداس الأسقف سرابيون: [ نقدم لك هذا الخبز…وهذه الكأس… اجعل كل المشتركين فيها أن يتناولوا دواء الحياة، شفاءً لكل ضعفٍ، وسندًا لكل تقدم وفضيلة، وليس دينونة علينا.]
V علاوة على هذا فإن الروح القدس يظهر بواسطة سليمان الحكيم نظام ذبيحة الرب، مُشيرًا إلى الذبيحة المقدمة من الخبز والخمر. وأيضًا عن المذبح والرسل يقول "الحكمة بنت بيتها، نحتت أعمدتها السبعة، ذبحت ذبائحها، مزجت خمرها في الكأس، أيضًا رتبت مائدتها، أرسلت جواريها تُنادي على ظهور أعالي المدينة: " من هو جاهل فليمل إلى هنا". والناقص الفهم قالت له: "هلموا كلوا من طعامي واشربوا من الخمر التي مزجتها". يُعلن عن الخمر الممزوج، أيضًا يخبرنا مقدمًا بصوت نبوي عن كأس الرب الممزوج بماء وخمر، التي تظهر أنها تمت في آلام ربنا والتي سبق النبوة عنها[265].
القديس كبريانوس
V العبارة: "مزجت خمرها" في وعاء فخاري تعني أن المخلص، يتّحد بلاهوته بالجسد مثل خمرٍ نقيٍ في البتول، مولودًا منها إلهًا وإنسانًا في نفس الوقت دون امتزاجٍ بينهما[266].
القديس هيبوليتس
V إذ يبطلون اللبن يشربون خمرًا يفرح قلوب من هم أكثر كمالاً، الذين لا يعودون يمارسون الأمور الطفولية. الآن صاروا قادرين علي شرب الأمور الصالحة من كأس الحكمة بأفواههم[267].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
يقدم لنا حكمة الله كأس الخمر، الذي هو دمه المبذول عنا غفرانًا لخطايانا، ومعه كأس الحكمة لندرك بها أسرار الكتاب المقدس وننال معرفة روحية فعَّالة في حياتنا.
V هؤلاء الذين يتقبلون رموزًا من الكتاب المقدس حسب فهم التلاميذ ينعمون بالرجاء في أن القديسين يأكلون حقًا، بل سيكون خبز الحياة الذي ينعش النفس بطعام الحق والحكمة وينير الذهن ويجعله يشرب من كأس الحكمة الإلهية حسب إعلان الكتاب المقدس[268].
العلامة أوريجينوس
إن كان الخمر يشير إلي الفرح الروحي، فإننا إذ نتناول من الدم المقدس، وإذ نشرب من كأس الحكمة، يتولد فينا فرح حقيقي يسند النفس ويرويها، فلا تخور في طريق الآلام.
هـ. نظام الوليمة
"أيضًا رتبت مائدتها" [2].
بقوله "رتبت" أو "أعدت" مائدتها، يؤكد الكتاب المقدس أن هذه الوليمة مع كونها مجانية، وأبوابها مفتوحة لكل بشر، لكنها وليمة أعدها الرب نفسه. هيأ البشرية لأجيال طويلة خلال الآباء والأنبياء لدخولهم إليها. للوليمة نظامها وتدبيرها، لأن الذي أعدها إله نظام وليس إله تشويش (1كو32:14).
و. الدعوة للوليمة
"أرسلت جواريها تنادي على ظهور أعالي المدينة:
من هو جاهل فليمل إلى هنا.
والناقص الفهم قالت له:
هلموا كلوا من طعامي واشربوا من الخمر التي مزجتها" [3-5].
أرسلت الحكمة جواريها إلي قمم التلال والمرتفعات والجبال لتنادي، فهي دعوة عامة وعلنية، لأن الله يريد أن الكل يخلصون وإلي معرفة الحق يقبلون. كانت العادة قديمًا في بعض المدن الآسيوية أن يُرسل الشخص إلى المدعوّين مجموعة من الجواري النساء يسبقهن بعض الخصيان ويُقدمون دعوة الاستضافة.
يرى القديس إكليمنضس السكندري[269] أن هؤلاء المرسلين هم الأنبياء الذين تقدموا الرب، وقد أرسلهم ليدعوهم إلى الوليمة؛ هؤلاء ليسوا سارقين ولا لصوص، أما الفلسفة فلم تُرسل بواسطة الرب لذا جاءت تسرق. وهو يقصد هنا الفلسفات المُضادة للحق والمقاوِمة لمعرفة اللَّه.
V العبارة: "أعدت مائدتها" تُشير إلى معرفة الثالوث القدوس الموعود بها، كما تُشير إلى جسده ودمه الطاهرين الثمينين، اللذين يقدمان كل يوم ذبيحة على المائدة الإلهية الروحية، تذكارًا دائمًا للعشاء الأول الإلهي الروحي[270].
القديس هيبوليتس
صرخة الدعوة موجهة إلي من يشعر أنه جاهل لكي يميل ويتمتع بالحكمة الإلهية، ومن يشعر بنقص الفهم يتقدم ليتمتع بمائدة المعرفة الحقة.
V في بيت الوليمة هذا يجد الآتين من المشارق والمغارب موضعًا لهم في حضن إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السماوات.[271]
العلامة أوريجينوس
ز. فاعلية الوليمة
"اتركوا الجهالات فتحيوا،
وسيروا في طريق الفهم" [6].
إذ يستجيب المؤمن لنداء الحكمة العلني المجاني يليق به أن يعلن عن تجاوبه مع هذا النداء بترك الجهالات والسير في طريق الفهم، وذلك بغني نعمة الله العاملة فيه. يطالبنا بترك الجهل والجهال، فإن من يصاحبهم بالضرورة يصير جاهلاً مثلهم.
V تلك (مائدة الشياطين) هي اختلاط بالشياطين، أما هذه (مائدة الرب) فهي شركة مع الله.[272]
القديس كيرلس الأورشليمي
V المائدة السرائرية هي جسد الرب الذي يعضدنا قبالة شهواتنا وضد الشيطان.
حقًا يرتعد الشيطان من الذين يشتركون في هذه الأسرار بوقار.
القديس كيرلس الكبير
ح. جدية الوليمة
"من يوبخ مستهزئًا يكسب لنفسه هوانًا،
ومن يُنذر شريرًا يكسب عيبًا.
لا توبخ مستهزئا لئلا يبغضك،
وبخ حكيما فيحبك " [7-8].
كان الفلاسفة يظنون أنهم بلا خطية، يمثِّلون طبقة خاصة معصومة من الخطأ، لكن كلمة اللَّه تكشف عن ضعف الطبيعة البشرية وحاجة الكل، حتى المعلمين والقادة، إلى التعلم المستمر.
V ألعل هذا هو السبب أنه لا يوجد أحد حتى من بين الذين يتجاسرون وينعتون أنفسهم كحكماء، لأنهم (الفلاسفة) يظنون أن الحكيم بلا خطية؟ أما كتابنا المقدس فلا يقول هذا بل يقول: "وبِّخ حكيمًا فيحبك" [8]. بلاشك من يظن أن الإنسان يلزم أن يُوبخ، يحكم بأنه خاطي.
على أي الأحوال، من جانبي لا أجسر أن أحسب نفسي حكيمًا حتى بهذا المعنى. يكفيني أن أحسب نفسي ما لا يستطيعوا أن ينكروه، أي يُنسب الصراع من أجل الحكمة إلى الفلاسفة، أي إلى محبي الحكمة. فإن الذين يمتهنون محبة الحكمة لا يتوقفون عن الصراع من أجل الحكمة، ويُحسب هؤلاء أكثر منهم حكماء[273].
القديس أغسطينوس
الدعوة موجهة إلى الجميع، لكن لا يدركها إلا الإنسان الجاد في خلاص نفسه. لهذا فإن المستهزئ إذ يجد في الدعوة توبيخًا لاستهتاره عوض التجاوب مع نداء الحكمة يهين من يقدمها إليه، والشرير المصمم علي شره عوض التوبة ينسب لمن يهتم بخلاصه العيوب والشرور.
ليس عجيبًا أن "كل من له يُعطي فيزداد، ومن ليس له فالذي عنده يُؤخذمنه" (مت29:25). من لديه حكمة يزداد حكمة، لأنه يطلب أن ينمو فيها، يحب من يعلمه ويوبخه لينال معرفة. وأما من له روح السخرية والاستهزاء والشر يزداد شرًا، لأنه يحمل بغضة لمن يوبخه أو يرشده.
"أعطِ حكيمًا فيكون أوفر حكمة،
علِّم صدِّيقًا فيزداد علمًا" [9].
لم يقل "أعط تعليمًا للحكيم"، بل قال "أعط حكيمًا"، دون تحديد ما تقدمه له. فالحكيم ينتفع من كل ما يُعطى إليه؛ إنه كالنحلة التي تجمع عسلاً من كل زهرة.
يرى القديس يوحنا الذهبي الفم في شعبه حكماء يحتاجون أن يبدأ معهم بعض تأملاته في الكتاب المقدس ليفتح لهم الطريق، وأما هم فيكملون ما بدأه ويُضيفون عليه، إذ يزدادون حكمة.
V يليق بنا أن نقدم كل النقاط الأخرى، لكن بهذا يصير الحديث طويلاً للغاية، ويمتد إلى مدة طويلة جدًا. لهذا فإننا نتوقف عن أن نقدم نقاط أخرى، ونترك هذا الأمر لكم، ففي وسعكم أن يكون بين أيديكم. أنه في قدرتكم أن تجمعوا هذه النقاط معًا في البيت وتفحصوا الاختلافات، وبنفس الطريقة تدركون نقاطًا جديدة. قيل: "أعط بدء المكان للحكيم فيزداد حكمة" [9 LXX]. فالبدء هو من عندنا، وأما النهاية فهي عندكم[274].
القديس يوحنا الذهبي الفم
ط. طريق الوليمة
"بدء الحكمة مخافة الرب،
ومعرفة القدوس فهم" [10].
لن نستطيع الدخول في طريق الحكمة ما لم نطلب مخافة الرب، فهي بدء الحكمة، وهي غايتها أيضًا. نبدأ بالمخافة الإلهية التي ترافقنا طوال الطريق حتى تدخل بنا إلي الأحضان الإلهية. ننعم بالخوف الممزوج بالحب، ليس خوف العبيد الذي يطرد المحبة، بل خوف البنين الذين يتمتعون بروح الحب.
يتحدث العلامة ترتليان في هجومه على الفلسفة والفلاسفة قائلاً: بأن الفلاسفة يفشلون في التعرف على اللَّه، ويتشككون، ويصيرون في ارتباك بسبب فقدانهم مخافة الرب.
ي. امتداد الوليمة
"لأنه بي تكثر أيامك، وتزداد لك سنو حياة" [11].
تهب الحكمة كثرة أيام وزيادة سني حياة. إن قصرت أو طالت أيام حياة المؤمن علي الأرض، إلا أنها في عينيْ الله مثمرة وممتدة لا يستطيع الموت أن يحطمها.
ك. المنتفع بالوليمة
"إن كنت حكيمًا، فأنت حكيم لنفسك،
وإن استهزأت، فأنت وحدك تتحمل" [12].
ما يزرعه الإنسان إياه يحصد، فإن زرع حكمة تمتع بها، وإن زرع سخرية واستهزاء لا يضر أحدًا إنما يضر نفسه.
V لا يشترك في المائدة الروحية إلا ذاك الذي يُدعى بواسطة (اللَّه)، والذي يصغي إلى الحكمة القائلة: "هلموا كلوا"[275].
القديس ديونسيوس الكبير
من يختبر الحكمة يأتي إليها جائعًا، يطلبها لا لينال بركات زمنية، إنما ليقتنيها، وقد عبر يشوع بن سيراخ عن ذلك بقصيدة رائعة في طلب الحكمة ختم بها السفر، جاء فيها:
[ في شبابي وقبل تجوالي، التمست الحكمة علانية في صلاتي.
أمام الهيكل طلبتها، وإلي آخر حياتي أسعى وراءها.
ابتهج قلبي بزهرها، كما يبتهج بعنبٍ ينضج.
ودرجت قدمي في الطريق المستقيم.
ومنذ شبابي جددت في أثرها. أملت أذني قليلاً فتلقيتها.
ووجدت لنفسي تأديبًا كثيرًا.
وتقدمت بفضلها، والذي أتاني الحكمة آتيه مجدًا،
فإني عزمت أن أعمل بها، وغرت علي الخير فلا أخزي.
جاهدت نفسي لأجلها. ومارست الشريعة بدقة بالغة.
ومددت يديَّ إلي العلاء. وبكيت علي جهالاتي.
وجهت نفسي إليها بالطهارة ووجدتها.
ومعها ملكت الإدراك منذ البدء، فلذلك لا أخذل.
تحركت أحشائي في طلبها، فلذلك اقتنيت اقتناءً صالحًا.]
(يشوع بن سيراخ13:51-21)
مائدة الجهل
"المرأة الجاهلة صخابة حمقاء ولا تدري شيئًا" [13].
إن كانت مائدة الحكمة قد أعها الله نفسه ورتبها، مقدمًا إمكانيات إلهية يتمتع بها المؤمن ليصير حكيمًا وصاحب معرفة، وينمو فيهما، فإن مائدة الجهل تقدمها المرأة الجاهلة. ولعله يقصد بالمرأة الجاهلة هنا الشر نفسه. ويصفها بالآتي:
أ.جاهلة: بلا حكمة ولا معرفة صادقة.
ب.صخابة: تسبب صخبًا بلا معني ولا يحمل حبًا، بل ضجيجًا وقلقًا.
ج. حمقاء: تتصرف بغباوة.
د.متشامخة: تجلس عند باب بيتها علي كرسي في أعالي المدينة، تعلم من يلتصق بها روح الكبرياء.
هـ.تنادي السالكين في الحق لكي يتركوا طريقهم ويسيروا وراءها. "لتنادي عابري السبيل المقومين طرقهم من هو جاهل فليمل إلى هنا والناقص الفهم تقول له: المياه المسروقة حلوة وخبز الخفية لذيذ" [15-17].
و. تغوى فتقدم عذوبة مع السرقة، ولذة مع المتخفي في الشر. بينما يقيم حكمة الله بيتًا يدعونا إليه لنتمتع بوليمة حب بادل، إذا بالجهل يدعو الشباب ويغويه لوليمة مياه مسروقة وخبز خفي تُقام في الشارع بدون بيت.
ز.تقدم خيالات وموتًا لمن يقبل ضيافتها، ويأكل من خبز الخفية الذي تقدمه والمياه المسروقة الحلوة. "ولا يعلم أن الأخيلة هناك وأن في أعماق الهاوية ضيوفها" [18].
الحكمة الجهالة
ملكة تهتم بالبناء. امرأة جاهلة حمقاء.
تعد وليمة ثمينة. تدعو للملذات الباطلة.
تقدم خبرة الحياة الملوكية. تقدم العبودية للملذات.

من وحيْ الأمثال 9
عجيبة هي مائدتك!
V قدمت لي جسدك ودمك مائدة سماوية،
اشبع وأفرح وأنمو في معرفتك.
أتمتع بها واتحد بك يا مخلص نفسي.
V حولت نفسي إلى هيكل لك،
وأقمت مذبحك في داخلي،
وأعلنت كهنوتك الفريد!
اقبل حياتي ذبيحة حب.
لتسكب عليها خمر فرحك،
وتحول أعماقي إلى مقادس حية.
V احملني على منكبيك،
فإني جاهل وضعيف!
انطلق بي في طريقك الملوكي،
فأتمتع بمعيتك.
V اسندني فلا انجذب إلى وليمة الجهل،
ولا اسمع لصوت غريب.
ولا أطلب ملذات زائلة،
لئلا تنحدر نفسي إلى الهاوية.
V اقتحم نفسي ولتدخل إلى أعماقها.
افتح لي أبواب السماء فادخل فيها.
لتسكن في أعماقي،
واسكن أنا في سمواتك!
أنت نصيبي وشبعي وتهليل قلبي.
<<

من تفسير وتأملات
الآباء الأولين
الأمثال



الجزء الثاني
10-20
2006م
القمص تادرس يعقوب ملطي
كنيسة الشهيد مارجرجس بإسبورتنج
<<

القسم الثاني





وصايا موجهة إلى الجميع
أمثال 10-20

وصايا الحكمة
في الأصحاحات التسعة السابقة يدعونا سليمان الحكيم للتعرف على الحكمة وبركاتها، ويسألنا أن نطلبها لكي نقتنيها بكونها حكمة الله، أو أقنوم الحكمة الإلهي، يسكن فينا ويعمل بنا، ويدخل بنا إلى الأبدية. الآن يقدم لنا تعاليم الحكمة أو وصاياها، من جوانب كثيرة، قد تتكرر بعض الأمثال أو تتشابه، وذلك لتأكيد أهميتها، أو لإبراز جوانب مختلفة لموضوع واحد.
يُمكن أن نُعطي العناوين التالية للأصحاحات 10-20[276].
1. وصايا الحكمة عن مكافآت الحياة الساميةص 10.
2. وصايا الحكمة عن طرق البرّ مملوءة أمانًاص 11.
3. وصايا الحكمة عن السلوك المتناقض ص 12.
4. وصايا الحكمة عن سعادة الحياة المستقيمة ص 13.
5. وصايا الحكمة عن مخافة الرب ص 14.
6. وصايا الحكمة عن القلب الفرح ص 15.
7. وصايا الحكمة من العناية الإلهية ص 16.
8. وصايا الحكمة عن بيت المحبة ص 17.
9. وصايا الحكمة عن العزلة المقدسة والعزلة الشريرةص 18.
10. وصايا الحكمة عن عظمة السلوك بالكمال ص 19.
11. وصايا الحكمة عن وسائل الحياة وغايتها ص 20.
<<



jtsdv hg;jhf hglr]s ui] r]dl stvhghlehg hghwphp hgvhfu hgn hgjhsu hghwphp hgjhsu hgvhfu hg;jhf jtsdv

 اشتراك في جروب موقع الكتاب المقدس الاخبارى ليصلك جديد الافلام الترانيم الاالحان الاخبار الكنسية على الميل

البريد الإلكتروني:

بعد ان تقوم بادخال بريدك ستصلك رسالة باسم Confirm your subscription أضغط على الرابط الموجود بداخلها لتفعيل حسابك












آخر مواضيعي » "جوجل" تخطط لبيع حواسبها اللوحية مباشرة عبر الإنترنت السبت، 31 مارس 2012 -
» مفاجأة:الفلول وحملة شفيق شاركوا بمؤتمر المعارضة أمس
» مداخلة من الاساذ رومانى من منفلوط
» مرسي يدخل ستاد القاهرة بأغاني عبد الناصر
» الابركسيس 19/10/2102
توقيع : admin

ربنا موجود هو ده شعارنا

عرض البوم صور admin   رد مع اقتباس
قديم 01-04-2013   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Jun 2012
العضوية: 8315
العمر: 25
المشاركات: 2,329
بمعدل : 2.95 يوميا
معدل التقييم: 5
نقاط التقييم: 10
ايمن عدلى is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
ايمن عدلى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : admin المنتدى : تفسير الكتاب المقدس للقمص تادرس يعقوب ملطى
افتراضي

كل الشكر والتقدير لك على الموضوع الرائع .. ...
.. و ثق أننا بانتظار المزيد منك ...
تحياتى ...
رائع ربنا يباركك

 اشتراك في جروب موقع الكتاب المقدس الاخبارى ليصلك جديد الافلام الترانيم الاالحان الاخبار الكنسية على الميل

البريد الإلكتروني:

بعد ان تقوم بادخال بريدك ستصلك رسالة باسم Confirm your subscription أضغط على الرابط الموجود بداخلها لتفعيل حسابك












آخر مواضيعي
عرض البوم صور ايمن عدلى   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد  إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المقدس, الاصحاح, التاسع, الرابع, الكتاب, تفسير, سفرالامثال, قديم

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تفسير الكتاب المقدس عهد قديم سفر الامثال الاصحاح التاسع والعشرون الى 31 admin تفسير الكتاب المقدس للقمص تادرس يعقوب ملطى 0 01-04-2013 07:19 PM
تفسير الكتاب المقدس عهد قديم سفرالامثال الاصحاح الخامس والعشرون الى الثامن والعشرون admin تفسير الكتاب المقدس للقمص تادرس يعقوب ملطى 1 01-04-2013 07:13 PM
تفسير الكتاب المقدس عهد قديم سفر المزامير الاصحاح الرابع الى التاسع admin تفسير الكتاب المقدس للقمص تادرس يعقوب ملطى 1 01-02-2013 03:15 PM
تفسير الكتاب المقدس عهد قديم سفر ايوب الاصحاح التاسع العاشر admin تفسير الكتاب المقدس للقمص تادرس يعقوب ملطى 1 01-02-2013 12:32 PM
تفسير الكتاب المقدس عهد قديم سفر عزرا الاصحاح التاسع والعاشر admin تفسير الكتاب المقدس للقمص تادرس يعقوب ملطى 1 01-01-2013 08:00 AM

Loading...

Bookmark and Share

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

الساعة الآن 11:48 AM

أقسام المنتدى

منتدى المرئيات المسيحيه | ترانيم وكليبات روحية | مرئيات مسيحيه | منتدى الاخبار | فديوهات عامة | قضايا ساخنة | صور عامة | منتدى المرأة والجمال | ذهب ومجوهرات | منتدى البابا شنوده | عظات البابا شنوده | تأملات البابا شنوده | المسرح الكنسي | نصوص مسرحيات مسيحية | فيديو مسرحيات وعروض كنسيه | منتدى الخدمه | قسم مدارس أحد خدمة أبتدائــى | قسم خدمة أعدادى | منتدى كمبيوتر و انترنت | الكمبيوتر والبرامج العامة | البرامج المسيحية | برمجة وتصميم وتطوير المواقع | الجرافك والفوتو شوب | منتدى الموبيلات | برامج الموبيل | الثيمات | صور للموبيل | نغمات الموبيل | رسايل الموبيل | منتدى الصحة والرشاقه | الرجيم | عالم الموضة والجمال | ضحك وترفية | كاركتير | الأخبار العامة | الأخراج وادارة المسرح المسيحى | الموسيقى التصويرية | فيس بوك | عروض و طلبات التصاميم والدعم الفني والبرمجة, | اسئله البابا شنوده | معجزات البابا شنوده | قسم خدمة ثانوى | قسم خدمة أجتماع الشباب وأجتماع الخريجين | قسم خدمة أعداد الخدام وأجتماع الخدمة | قسم مهرجان الكرازة | ترانيم صوتيةام بى ثرى | ترانيم مكتوبة وورد وبوربوينت | موسيقى ترانيم وافلام ومسرحيات مسيحيه | صحة | منتدى الكنيسه الارثوذكسيه | تاريخ الكنيسة القبطيةالارثوذكسية | طقوس الكنيسة القبطية الارثوذكسية | التسبحة والألحان | تعليم اللغة القبطية | الاخبار المسيحيه حول العالم | منتدى الكتاب المقدس | تفسير الكتاب المقدس العهد القديم | قسم تفسير الكتاب المقدس العهدالجديد | دراسات وابحاث فى الكتاب المقدس | مخطوطات الكتاب المقدس بلغاته الأصلية | رجال ونساءالكتاب المقدس | منتدى العدراء | حياةام النور | تأملات فى حياه العذراء مريم | ظهورات العذراء مريم حول العالم | معجزات العذراء ام النور | منتدى الكتب | الكتب الأرثوذكية | كتب عامة | طلبات كتب | كتب تصميم وبرمجة | منتدى القديسين | سير الاباء القديسين | سيرالاباء القديسين المعاصريين | معجزات الاباء القديسين والقديسات | تعلم من فضائل القديسين والقديسات | تماجيد ومدائح الاباء القديسين | ترانيم العذراء والده الاله | منتدى الطفل | ترانيم اطفال مسيحية | قصص د ينية مسيحية للأطفال | صور تلوبن مسيحية | اسامى اولاد مسيحية | اسامى بنات مسيحية | منتدى صور مسيحية | منتدى صور رب المجد | منتدى صور العدراء مريم | منتدى صور القديسين والشهداء | منتدى الصور العامة | منتدى القراءات اليوميه | البولس اليومى | الكاثوليكون اليومى | الأبركسيس اليومى | الأنجيل اليومى | المزامير اليومية | منتدى برامج القنوات المسيحيه | الديكور | منتدى المعلمين | الجودة | اخبار التعليم | تبادل خبرات | الأسرة المسيحية | برامج قناة سى تى فى | برامج قناة اغابى | القراءات اليومية من الكتاب المقدس | اسأل وأعرف | منتدى اقسام تطوير المنتديات | قسم تطوير منتديات vb3.8.xِ | منتدى أكواد منتديات | اكواد جافا اسكربت | ايات على حروف | منتدى الأدارة Administration | المواضيع المكررة والمحزوفة | طلبات واقتراحات الاعضاء | منتدى الاصوام | صوم الميلاد | صوم نينوى | الصوم الكبير | صوم الرسل | صوم العدراء | صوم الأريعاء والجمعة | منتدى العظات | عظات عن الاتضاع | عظات عن العطاء | قسم شروحات البرامج | اكواد عاديه | English | Egyptian Christian News | the Bible | Fathers of the Church Alarzksé | منتدى المطبخ المسيحى | الأكلات الصيامى | الأطباق الرئيسية من جميع البلاد | قسم الأسماك البحرية | قسم المشروبات الساخنة والباردة | قسم العجائن | السلطة والمخلل | قسم الحلويات والمعجنات | وعد ربنا ليك انهاردا من الكتاب لمقدس | منتدى مسيحيات | تأملات روحية يومية | معجزات روحية | الحان وقداسات | عظات روحية ولاهوتية | قصص روحية مسيحية | صلوات الاباء من الكتاب المقدس | القاب رب المجد | برامج قناة سات 7 | برامج قناة مارمرقس | قسم شروحات Google | مواضيع تاتى عن طريق الآر أس أس | الكتاب المقدس المسموع للآطفال | أقوال آباء قديسين | آقوال آباء قديسين عن الإتضاع | أقوال آباء قديسين عن الإفراز | أقوال آباء قديسين عن المحبة | أقوال الآباء القديسين عن الصلاة | أقوال الآباء القديسين عن الطاعة | طقس الكنيسة فديو | مسابقات فى الكتاب المقدس | قراءات الكنيسة الطقسية | الدفنار | أ بصاليات واطس | أبصاليات آدام | صلوات الخدمات | كلمة منفعة | منتدى البابا تواضروس الثانى118 | عظات البابا تواضروس الثانى 118 | رحلات البابا تواضروس الثانى 118 | رسامات البابا تواضروس الثانى 118 | لقاءات البابا تواضروس الثانى 118 | تفسير الكتاب المقدس للقمص تادرس يعقوب ملطى | تفسير عهد جديد للقمص تادرس يعقوب ملطى | شخصيات كتابية (شخصيات الكتاب المقدس) | الكتاب المقدس المسموع والمقروء | تفسير الكتاب المقدس للقس انطونيوس فكرى | تفسير الكتاب المقدس متى بهام | شهر كيهك | منتدى المسابقات | مسابقات دينية مسيحية | مسابقات غير دينية | منتدى تعليقات وتغريدات | التعليقات المفيدة على شبكة التواصل الاجتماعى الفيس بوك | التغريدات المفيدة على شبكة التواصل الاجتماعى التويتر |


اخر المواضيع

مذكرتان لمطالبة «السيسى» بتعديل قانون الانتخابات وعزل «الوطنى والإخوان» @ «الوطن » تنشر اعترافات أحد منفذى تفجيرات «أطفيح» @ اقوال جميلة عن الاتضاع @ ظهور قداسة البابا شنودة الثالث في مزاره @ فى معجزة هى الأغرب.. البابا يعيد الحياة لفتاة بعد وفاتها فى دير الانبا بيشوى بسبب الز @ حقيقة معجزات البابا شنودة الثالث ضد الإخوان المسلمون @ 71 معجزة للبابا شنودة أبرزها ظهوره لشاب وإخراجه روحا شريرة من جسده @ الاختلافات العقائدية والطقسية بين الكنيسة القبطية البروتستانطية 1- التقليد ر @ الاختلافات العقائدية والطقسية بين الكنيسة القبطية البروتستانطية 1- التقليد ذ @ بعد فشلها فى دعم الإخوان .. أمريكا تلعب بورقة الأقليات الدينية للضغط على الحكومة شاه @ وسط مخاوف من "داعش".. "أنصار الشريعة في ليبيا" تعلن بنغازي إمارة إسلامية @ الفيديو| مقاتلو "داعش" يعدمون 1500 جندي عراقي.. ويرددون: "نعيد المجد للدين" @ سقوط أهم قاعدة عسكرية فى بنغازى بأيدى «الإسلاميين» @ لهذه الأسباب يجب أن تتوقف عن الاستحمام بـ«الليفة» @ "أحلام السلطة وكوابيس التنحى".. الحلقة 40.. مبارك وتونس والإنذار الأخير..بعد هروب الر @ "أحلام السلطة وكوابيس التنحى".. الحلقة 39.. مبارك وعمر سليمان والمشير.. توازن الأمن.. @ أحلام السلطة وكوابيس التنحى".. الحلقة 38.. مبارك تحت حصار المرض وزكريا عزمى.. سوزان أ @ "أحلام السلطة وكوابيس التنحى".. الحلقة 37.. مبارك والشاطر والإخوان.. من التحالف للصدا @ مصرع وإصابة 16 فى حادث انقلاب سيارة بأسيوط @ بالفيديو..تعرف علي أسهل طريقة لـ”تقشير” البطاطس فى 5 ثوان فقط @ مينا ثابت: الأنبا بيشوي مثير للجدل وينتمي للتيار الأصولي بالكنيسة @ بعد منع ارتداء البنطال.. الكنيسة: كل أسقف له الحق في تدبير العمل الرعوي @ "الوطن" تنفرد بنشر أقوال أميني الشرطة المتهمين بتهريب سجيني الإسماعيلية @ الأنبا بيشوي يمنع الفتيات من ارتداء البنطال ووضع "المكياج" أثناء التناول @ بالصور| مجهولون يحطمون تمثال "شبيه مبارك" قبل افتتاحه بيومين في الإسكندرية @ بالصور| "الوطن" تنشر أسماء شهداء "الجيش" بعد ترقيتهم للرتبة الأعلى @ إصابة 16 شخصًا بينهم ضابط شرطة و5 مجندين فى حادث مرورى بالمنيا @ قراءات الخميس, 31 يوليو 2014 --- 24 أبيب 1730 @ أسقف بني سويف:لحم الجمل لا يكون مانع ديني لتناوله @ ماجد وديع الراهب: ألمح في الأفق بوادر لتأسيس دولة دينية @ عاجل:الأمن يطوق قرية "بجنوب المنيا" لمنع فتنة طائفية بعد مقتل عامل في مشاجرة @ كيف تتخلص من العصبية بخطوات بسيطة؟ @ "الداخلية" تعترف بتلقي فردي شرطة رشوة مقابل تهريب سجيني "الإسماعيلية ".. وتؤكد: لا تس @ مصدر أمني يكشف لـ"الوطن": هروب سجناء المستقبل وأبو صوير يطيح بقيادات أمن الإسماعيلية @ شباب إخوان يدعون لتشكيل "كتائب البنا" المسلحة لتصفية القضاة ورجال الجيش والإعلاميين @ الكهرباء: تفجير برج كهرباء ضغط عالي في أطفيح وضبط أحد المتهمين @ ترنيمة أنا اتعلمت @ إبصالية آدام على ثيؤطوكية الأحد السنوى أيكوتى إنسوك طلبتك من عمق قلبي @ الباب الثانى عصمة الكتاب المقدس @ الباب الثانى مركز الكتاب المقدس فى الكنيسة القبطية @ الاختلافات العقائدية والطقسية بين الكنيسة القبطية البروتستانطية 1- التقليد ھ @ الاختلافات العقائدية والطقسية بين الكنيسة القبطية البروتستانطية 1- التقليد د @ وأيضاً إبصالية آدام لأجل الشهيدات الجماعة اللواتي استشهدن (في يوم واحد) @ إبصالية آدام لأي شهيد أو قديس @ إبصالية آدام لسائر القديسين لباس الصليب والسياح والمتوحدين تقرأ في أيام تذكاراتهم وت @ إبصالية آدام تقرأ للشهداء الجماعة إذا كانوا في يوم واحد وتذكر اسماءهم في أخر كل ربع @ استشهاد ابا كير ويوحنا ابصالية آدام @ نياحة الأنبا بولا أول السواح ابصالية آدام @ ابصالية واطس لأجل الشهيدات الجماعة اللواتي استشهدن (في يوم واحد) @ إبصالية واطس لأي شهيد أو قديس @



Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc.
Forum Mods By Dr Markos
جميع الحقوق محفوظه لموقع الكتاب المقدس الاخبارى
This Forum used Arshfny Mod by islam servant
اختصار الروابط